هدوء
11 11 2009
” ما أحلى العودة إلى المنزل “
ارتمى بثقله على الكرسي الكبير وقام بحل ربطة عنقه ، بينما سحبت أنا كرسياً من جانب الطاولة ووضعت حقيبتي عليها وجلست على الكرسي الكبير الآخر.
” كان يوماً طويلا ” أردف وهو يغمض عينيه ، ” كم أحتاج إلى قيلولة في هذا الهدوء الرائع، لهذا السبب اشتريت هذه الشقة في الضاحية، بعيدا عن صخب المدينة وزحامها”.
نظرت إليه بدهشه، بدأت الحديث ولكن من الواضح أن صوتي كان لا يصل لمسامعه وهو مستمتع في هدوءه، رفعت صوتي أكثر وقلت ” حقا ؟ ، هل أنت سعيد بهذه الشقة ؟ “.
أجاب ” بكل تأكيد، جو لطيف ، هدوء ، الخضرة من حولنا، والهواء نظيف وخالٍ من العوادم “.
أغمض عينيه وقال ” فقط أنصت إلى هذا الهدوء، راحة الأعصاب يا صديقي لا يعلوها أي شعور آخر”.
هممت بالرد عليه ولكنه فتح عينيه فجأة وقال ” هل سمعت هذا ؟ “.
حاولت أن أصيخ السمع، ولكنني لم قادراً على تمييز أي صوت ، أجبته قائلا ” أي صوت تقصد ؟ “.
قفز من مكانه واتجه نحو الهاتف وقال ” إنه جاري في الطابق العلوي، ألا تسمع صوت المذياع العالي، كم مرة نبهته إلى ذلك ! “.
نظرت إليه باستغراب ولم أتحدث، وسمعته يتشاجر مع جاره على الهاتف وأغلق في وجهه سماعة الهاتف بعدما طلب منه بطريقة غير لبقة أن يخفض صوت ” البطيخ ” الذي يسمعه لأنه يرغب بالنوم.
لمحت على وجهه بعض علائم الإرتياح ولاحظ دهشتي وقال ” لا تؤاخذني، إنفعلت قليلاً، ولكن هناك بعض الأشخاص يحتاجون إلى عينٍ حمراء وبعض الشدة في الكلام و خاصة أنني …. “
صمت قليلا وبدا وكأنه يستمع إلى شيء ما وأردف ” قلت لك، لقد أخفض صوت التلفاز، لو كنت طلبت منه ذلك بطريقة لبقة لم يكن لينصاع لرغبتي، لم يعد أحد يهتم براحة جيرانه هذه الأيام، والأنانية أصبحت متفشية”.
أغمض عينيه وقال ” دعني الآن أستمتع بالهدوء للحظات، يا سلام ، لو معك إبرة الآن فلا ترميها، لأنها ستعكر صفو هذا الهدوء “.
إنفجرت غاضباً و صحت به ” يا أخي توقف أرجوك !! ، توقف عن السخرية مني !! لماذا تفعل ذلك ؟”
نظر إلي بدهشة وقال ” مابك ؟؟ مالذي حدث ؟ “.
صحت قائلاً ” منذ أن دخلنا وأنت تسخر مني بحديثك المضحك !! ، لماذا تتظاهر بأن الهدوء يعم المكان وصوت الحفارات في الخارج يصم الآذان ؟ ألا تسمع أصوات التكسير و صريخ العمال وعويل الآلات في المشروع الجديد الذي يقام بجانب العمارة ؟، ولماذا تتظاهر بأن الجو عليل وخالً من العوادم وهو محمل بالقذارة والأوساخ والتراب الناتج عن الحفريات وعوادم الشاحنات والآليات التي تعمل في المشروع ؟، والأدهى من ذلك أنني متأكد بأن اتصالك مع جارك كان حقيقياً وليس مزاحاً، ماذنب الرجل المسكين لكي تقحمه في هذه المزحة السخيفة ؟ “
نظر إلي بدهشة وقال ” ما بك ؟ عن ماذا تتحدث ؟ عن أي ضجيج تتحدث ؟ “.
كورت قبضتي وقفزت نحوه وأنا غاضب وصرخت ” قلت لك يكفي، يكفي استخفافاً بعقلي “.
توقفت في منتصف المسافة بيني وبينه، حيث أنه قد أحنى رأسه ونظر إلى الأرض وقال لي ” أرجو أن تجلس وتهدأ وسأشرح لك”.
جلست على الكرسي مرة أخرى وقد صدمت بردة فعله المحزنة والتي جعلتني أخجل من موقفي وعندها بدأ بالحديث.
” يا صديقي، لقد إشتريت هذا البيت في الضاحية لأنني لم أكن أملك مالا كافيا لشراء منزل في المدينة، وقد تحملت بعده عن مكان عملي وضعف التخديم في المنطقة، مقابل الهدوء الذي كان يعم المكان بالإضافة إلى الجو الريفي الجميل، ولكن منذ عام تقريبا، بدأ العمل في المشروع المجاور، وقد أحال حياتنا في الضاحية إلى جحيم، ملأت الأتربة والعوادم المكان، ولم نعد نستطيع أن ننام بسبب أن العمال يعملون في المشروع الضخم طوال اليوم وبعدة مناوبات، انهارت أعصابنا كما حصل لك الآن بعد الأسبوع الأول، طار النوم من أعيننا وبدأت الأمراض التنفسية والعصبية تصيبنا بسبب التلوث البيئي والصوتي.
” وماذا حصل بعد ذلك ؟ “
” هل تذكر سيارتي القديمة والتي أخبرتك أنها قد تحطمت في حادث بينما كان أخي يستعملها ؟ الحقيقة هي أنها قد تم تحطيمها تماما مع باقي سيارات الجيران بعدما تقدمنا بشكوى ضد المشروع لمجلس البلدة، وجدنا لوحات معلقة على سياراتنا المحطمة وقد كتب عليها ( إشتكوا مرة أخرى لو كنتم تملكون الجرأة).
“إذن فقد حطم صاحب المشروع سياراتكم مع تهديد مباشر في حال تكرار الفعلة، لماذا لم توصلوا الأمور إلى الشرطة ؟ “.
ابتسم إبتسامة صفراء وقال ” هل تعلم من تبين أنه صاحب المشروع ؟ إنه الحوت “.
دارت الأمور في ذهني وهززت رأسي في أسى.
” الحوت يملك نصف مشاريع البلد، وهو شريك مسيطر في النصف الآخر، إكتشفنا أنه لا يملك المشروع وحسب، بل هو يملك هذه العمارة أيضاً، ويملك شركة الكهرباء التي تزودنا بالطاقة، ويملك شركة المياه التي تزودنا بالماء، بل اكتشفت أنه يملك الشركة التي أعمل بها، فهل تريدني أن أشتكي عليه، فيقوم بقطع الكهرباء عني طوال اليوم بدل الساعات العشرة التي تقطع عنا فيها الكهرباء ؟ هل تريد أن يقطع الماء عنا حتى في اليوم الوحيد الذي تصلنا به ؟ هل تريد أن يرمني خارج العمل رغم أن راتبي لا يتعدى ما يتقاضاه عامل الشاي والقهوة في شركات أخرى ؟ هل تريد أن يطردني خارج الشقة لأي حجة يبتدعها ؟ “
أومأت رأسي تفهماً.
” عندما أدركنا أن المشروع لن يتوقف، بدأنا بالتأقلم مع الضجيج والأتربة، أصبح الضجيج جزءا من حياتنا اليومية، وقد تعودنا على رتابته لدرجة أنه بدأ يختفي بالتدريج من حياتنا، لم نعد نحس بالضجيج أبدا، لا يسمعه الآن سوى الزوار والقادمون الجدد إلى منطقتنا، وأصبح أي صوت دخيل على هذا الضجيج يتسبب بإزعاجنا، وأظن بأنه السبب بأنك لم تستطع سماع صوت التلفاز العالي لأنه لا يقارن بصوت الضجيج في الخارج، بينما أنا استطعت تمييزه”.
قلت له ” لكن ألم تكن قاسيا في ردة فعلك مع جارك ؟ “.
نظر إلى السقف وقال ” يا صديقي ، في العمل يوبخني المدير المسنود في منصبه دون رحمة وأضطر أن أقف أمامه خانعاً دون أن أستطيع الرد، ولو أن أحداً من أبناءي شاهدني وأنا أذل بهذا الشكل المخزي لتبرأ مني ولا أعترض، تأتي فواتير الكهرباء العالية وأدفعها صاغراً دون أن أعترض، أدفع ضرائبي دون أن أعترض، يخصم من رواتبي دون أن أعترض، أحرم من النوم في منزلي دون أن أعترض، أصاب بالأمراض أنا وأولادي لكي تزيد مكاسب الحيتان دون أن أعترض، فهل تريدني أن أخسر فرصتي الوحيدة في التذمر ولو كانت على حساب جاري المسكين ؟ “.
هممت بالرد عليه حيث أنني لم أقتنع بتسويغه لفعلته، ولكنني لمحت دمعة على طرف عينه، لم أره يبكي منذ أن عرفته، أسندت رأسي على الكرسي ونظرت إلى السقف، تذكرت أن الحوت يملك الشركة التي أعمل بها أيضاً، وأنني أحصل على الماء والكهرباء من عند الحوت، وأن منزلي تملكه شركة تابعة للحوت، وربما ستدور الدائرة علي ويقام مشروع آخر بجانب منزلي، فما أنا بفاعل ؟
بينما كنا غارقيين في همومنا، أحسست بصوت الضجيج في أذني ينخفض شيئاً فشيئاً، رغم أنه مازال مستمراً بشدة في الخارج، لم أصدق عندما عم السكون والهدوء داخلي، نظرت بابتسامة إلى صديقي والذي فهم ما حصل، قال لي وقتها ” الآن أستطيع أن أقول أهلا بك في عالمي ” ، ابتسمت له وأغمضنا أعيننا وخلدنا إلى النوم، والصمت الرائع يعم أرجاء المكان.
(من وحي فيلم قصير – نيورو – لبرونو بوزيتو )
تعليقات : 9 تعليقات »
التصنيفات : Social
أعطني الحكمة … وغني
22 10 2009
لدينا مخزون لا يستهان به من الحكم والأمثال لكل مناسبة، ولكن التناقض الموجود أحياناً في بعض منها يجعلنا نتساءل …
هل المشكلة في المثل أو الحكمة ؟ أم في تطبيقنا لها ؟
لننتقل إلى اللهجة العامية لأنها تناسب الموقف.
بتكون معزوم عند جماعة صحابك ببيت حدا من الشباب بالزبداني، وجايبين هالمشاوي من عند الفاروق يا معلم ، بس شكلو الأكل قليل لأنو كل واحد من الشباب جايب 2 من جيرانو بدون ما يخبرنا، آل يعني انو شباب ومارح تفرق.
نبدأ اليوم لما كلنا ننحشر بالغرفة يلي فيها مكيف، وطبعا مو حاسبين حساب هالكم الهائل من الشباب يلي اجو .. بينط صاحبنا وبيقول : ” بيت الضيق بيسع ألف صديق ” ضروري يعني نقعد بحضن بعضنا كلنا و ننحشك على الكنبايات ولا نقعد مقرفصين كلنا لما بدنا نلعب شدة ، بس لأنو نحنا ألف صديق ؟؟
بيجي وقت الأكل ، منتجمع كلنا حوالين هالطاولة وعليها هالكم صحن كباب وشقف و مقبلات لعشر أشخاص حسب الاتفاق، بس نحنا 25 زلمة حسب الواقع، بيتطلع فينا هادا يلي جايب معو البناية كلها وبيقول : ” يلا .. لقمة هنية بتكفي مية ” اي لئي … ما حزرت … مو ضروري قضي يومي كلو ومالي آكل غير قطعة شيش طاووس وحدة وما حسنت حتى حطلها توم بعد ما تبخر كل شي عالطاولة مشان حضرة جنابك تسكتني بهالمثل الفظيع. و ما معرفتو ليش ما طلعلي غير هالقطعة ؟ هادا صاحبنا وقت بدنا نبلش ناكل اتطلع بالكل وقال : ” بسم الله … يلي بيسبق بياكل فستق ” طبعا كان هالمثل العجيب كافي لأنو الشباب ينقضوا على بعضهون، ويختفي كل شي عالطاولة بغضون ثواني … لأنو بتعرف يلي ” سبق نبق .. أو مرق … مدري شو المثل ” ولما حسنت وصل عالطاولة ، لقيت قدامي قطعة هالشيش والشباب كانوا انهوا على كل شي ، واحد من رفقاتنا انتبه انو ما حبيت ذوقا اني ادخل بهالمعمة وذل حالي مشان هالكم لقمة، فدافع دفاعا مستميتا عن هالقطعة وتركلي ياها، وقلي تفضل أنوس، مازادلك غير هالقطعة، بهاللحظة صديقنا ما غيرو طلع فينا وهو عم يكمل حشو سيخين الكباب معاً جوا تمو وقال ” معليش ، الفضلة للفضيل ” شو هالحكي ؟ فضلت على راسي …
بعد الأكل ، الشباب فورا قعدوا وعملو شاي وفتو الشدة ، طب هالأكل والكياس والزبايل يلي تركتوها وراكون ؟ طبعا كلو عامل مطنش ، فأنا أشفقت على صديقي يلي رح يضطر ينضف كلشي باعتبارو الخاروف الغبي يلي فتحلنا دارو و أكل خازوق مرتب بعدما نروح، فبلشت ضب بهالكياس وفضي الصحون من الوسخ استعداداً للجلي ، صاحبنا بيطلع علي من موقعو وهو عم يلعب شدة و بقول : ” كبير يا أنوس ، سيد القوم خادمهم ” !! يستر على عرضك ، مشان الله ، يا ريتك ضليت خرسان ، يعني كنت مبين انو شباب وعم نتساعد بالتنضيف ، فحضرتك شلقت الدبب هلأ اني صرت خادم القوم يلي مفروض كون سيدهم …
يحرء حريش هالأمثال التبريرية السخيفة ، كل شخص بدو يبرر فعلتو بيطلعلنا بشي بيت شطرين موزونين وعالقافية مشان يبرر أفعالو …
س : ليش عم تسرق من عهدة الشركة ؟
ج : مهيه شركة نصابين و ” السارق من السارق كالوارث من أبيه ” .
س2 : برأيك هالزلمة ليش مدير أكبر شركة بالبلد و استثماراتو كلها ناجحة و مضرب المثل ؟
ج2 : ” بيطعمي الحلاوة ليلي مالو سنان
“س3 : مو لأنو يعني طول عمرو عم يدرس و ياخود شهادات و يشتغل بالليل والنهار ؟
ج3 : لا وحياتك ” يلي مالو حظ لا يتعب ولا يشقى ” مشان هيك أنا قاعد بالبيت ومالي خلق أعمل شي ، بعرف حالي مالي حظ.
ايه يعطيك العافية .
تعليقات : 5 تعليقات »
التصنيفات : Social
يا دكتوري … يا دكتور
10 10 2009
جلس أبو شكيب وزوجته على الكرسيين المتوضعين أمام مكتب الدكتور خفيف النظيف وهم ينتظرون أن تحضر الممرضة نتائج التحاليل التي قام بها أبو شكيب في اليوم السابق، لم تستطع أم شكيب التوقف عن البسملة والحوقلة طوال فترة إنتظارها، بينما لم يكن في ذهن أبي شكيب سوى صورة أولاده وزوجته ووالدته المريضة وما سيؤول إليه حالهم في حال حدث له مكروه لاقدر الله.
كان الدكتور خفيف يمسك قلماً ويقوم بالضغط على رأسه من الأعلى فيخرج سن القلم من الأسفل، ثم يضغطه مرة أخرى ليعود سن القلم إلى الداخل، وذلك بحركة رتيبة مزعجة، لم يستطع أبو شكيب أن يمنع نفسه معها من النظر في توسل للدكتور لكي يريح أعصابه من هذا الإزعاج، ولكن الدكتور خفيف نظر إليه نظرة بلهاء واستمر في حركته المزعجة.
تتك … تك … تتك … تك
امتزج الصوت الرتيب مع همسات أم شكيب بشكل أحس معه أبو شكيب بأن نهايته باتت وشيكة، وضغطه الآن قد قارب الثمانية عشر دون شك، لذلك فقد كان من المتوقع أن يقفز (من أربعته) عندما فتحت الممرضة باب الغرفة دون إستئذان وتقدمت بخطوات سريعة نحو مكتب الدكتور الذي نظر إليها والضحكة على وجهه مع ( تسبيلة ) صغيرة للعيون، ولكن الممرضة رمت الملف على طاولته و قالت ” إستلم ” .
خرجت الممرضة على عجل من الغرفة وأبو شكيب مازال قلبه ينبض وكأنه قلب أرنب صغير يقف وسط قطيع من الذئاب في منتصف الليل.
أخرج الدكتور خفيف الأوراق من الملف ووضعها فوق جريدة محلية كانت أمامه، ونظر إلى تلك الأوراق و الاهتمام البالغ على وجهه وقد تغيرت ملامح الهبل التي كانت تعتري قسماته إلى ملامح أكثر جدية.
“طمئني يا دكتور ؟ أنا بخير والتحاليل كلها سليمة، أليس كذلك ؟ ” قالها أبو شكيب بعصبية.
” الأمر لا يبدو جيداً، لا يبدو جيداً على الإطلاق” قالها الدكتور وهو يغمض عينيه.
بدأت أم شكيب في هذه اللحظة باللطم على خديها، ولكن أبا شكيب لم ينهر بهذه السهولة وصرخ ” طولي بالك يا أمرأة، أخبرني يا دكتور مالأمر ؟”.
رفع الدكتور خفيف الجريدة من تحت الأوراق وقال ” إنظر هنا، لقد رفضت الحكومة تخفيض أسعار المازوت، كم سأتكلف هذا الشتاء على ثمن المازوت وحده ؟ الأمر لا يبدو جيداً على الإطلاق، هل تعلم أنه في الفيلا التي أملكها أقوم بتعبئة الخزان كل أسبوعين مرة ؟ ويكلفني كل مرة مبلغ وقدره …………
صاح أبو شكيب : ” أرجوك يا دكتور ؟ ما علاقتي بأسعار المازوت ؟ أخبرني عن التحاليل أرجوك “.
نظر الدكتور خفيف إلى الأوراق ثانية …
” آه ، التحاليل، نعم نعم ، لنرى هذه النتائج”
” يا للهول !!!” صرخ الدكتور خفيف.
تابعت أم شكيب اللطم المعتاد … بينما أمسك أبو شكيب بقميصه من فوق القلب، حيث أنه بدأ يحس بالوخز.
” هناك ذبابة ميتة بين الأوراق، كم مرة نبهتهم أن لا يستعملوا التقارير في صيد الذباب المنتشر في المشفى”، أردف الدكتور.
توقفت أم شكيب عن اللطم.
أعاد الدكتور النظر في الأوراق بتمعن، وبعد دقيقتين من الصمت المهول قال ” سيد أبو شكيب، لا أعرف كيف سأقول لك ذلك”.
بدأت أم شكيب باللطم.
” اسمك غريب جداً، سمير المناخيلي ؟ أو المناخلي ؟ أو المناحلي ؟ إسمك مكتوب بشكل غريب ولا أعلم كيف سأقوله ؟”
توقفت أم شكيب عن اللطم، بينما قال أبو شكيب وقد بدأ يتنفس بصعوبة ” المناخلي دكتور، المناخلي، أرجوك ، أتوسل إليك، النتائج”.
أعاد الدكتور النظر إلى الأوراق وقال ” هل تعلم يا سيد سمير أن النهاية ستكون الشهر القادم ؟ “
قفزت أم شكيب من مقعدها مع الولاويل المعتادة، وهم أبو شكيب بالبكاء عندما أردف الدكتور قائلا ” تأمينك الصحي سينتهي في الشهر القادم، أنصحك أن تقوم بتجديده فوراً، وسأدلك على صديق لي يعمل في شركة التأمين الصحي، ستحصل على صفقة جيدة، إبن عمي الأسبوع الماضي ….
صرخ أبو شكيب ” يستر على عرضك ، دعني أقبل يدك ، ما علاقتي بإبن عمك ، النتائج يا دكتور، لم أعد أحتمل”.
” النتائج ، النتائج ، نعم ، يبدو أنك مستعجل، والعجلة مضرة بالصحة، ولكني دعني أخيرك بأنك ستموت … “
سقطت أم شكيب على الأرض وهي تبكي، وانهمرت الدموه من عيني أبي شكيب، ولكن الدكتور تابع قائلا ” ستموت من الضحك عندما أحدثك عن إبن عمي، لديه محل للحلاقة ويحدثني بالكثير من النهفات اليومية التي تحدث معه، عندما ذهبنا إلى المطعم الأسبوع الماضي قال لي …..”
توقف الدكتور عن الكلام عندما رأى نظرات الغضب من أبي شكيب، وسمع صوت أسنانه التي تصطك في عنف وسمع الكلمات تخرج متحشرجة من فمه ” التحاليل ، النتائج “
نظر الدكتور إلى الأوراق وقلبها مرتين قبل أن تقع عيناه على سطر معين وصاح ” تماماً، كما توقعت تماماً، سرطان “.
لم تصدر أم شكيب هذه المرة أي صوت، حيث أنها قد أغمى عليها عندما سمعت بمرض زوجها، وصاح أبو شكيب وهو يبكي ” يالله ؟ سرطان ؟ أي نوع من السرطان ؟ “.
قال الدكتور ” أنت سرطان، من عجلتك واندفاعك كنت متأكداً بأنك من مواليد برج السرطان، فعلا هاهو تاريخ ميلادك في العاشر من تموز ، قرأت في كتاب الفلك الخاص بالدكتورة كارلا بأن مواليد برج السرطان دائما مستعجلون ومندفعون ومتهورون، اشتريت الكتاب من المعرض بسعر مخفض حيث أنه يباع في المكاتب العادية …
حاول أبو شكيب أن يوقظ زوجته من سباتها وهو يبكي، بينما نظر الدكتور إليه وقال ” غريب، مابها ؟ لماذا أغمي عليها رغم أن تحاليلك كلها سليمة، صحتك كالحصان، أظن أن برجها ليس السرطان، ربما هو الإيدز … قه قه قه قه “.
بينما هو يضحك بصوت عالً، إنقض أبو شكيب على رقبته وهو يصرخ ” الله لا يوفقك، الله لا يوفقك، تلفتلي أعصابي ، جبتلي الفالج إلي ولزوجتي، الله لا يوفقك ، الله … لا …. يوفقك “.
خر أبو شكيب مغشياً عليه إلى جانب زوجته، بينما رفع الدكتورخفيف سماعة الهاتف وقال ” الإسعاف ؟ تعالوا بسرعة إلى غرفتي، لدي شخصان بحاجة إلى إسعاف سريع ، ولكن لا تحضروا لي إسعاف يونس ….
وعلا صوت قهقته في الغرفة.
بعد أربع ساعات إستيقظ أبو شكيب من غيبوبته، نظر إلى الدكتور وقال ” دكتور ، زوجتي أم شكيب ؟ “
نظر الدكتور خفيف إليه وقال ” يؤسفني يا سيد سمير أن أخبرك بأنها قد أصيبت بالشلل التام، الصدمة كانت كبيرة عليها، ستضطر الآن إلى إطعامها وسقايتها والإهتمام بها إلى آخر عمرك”
بدأ أبو شكيب بالنحيب ، وعندها انفجر الدكتور ضاحكاً، وقال ” لا ، هل لك أن تتخيل نفسك تقوم بذلك طوال عمرك ؟، كنت أمزح معك ، لقد توفيت زوجتك فوراً بنوبة قلبية”
…….
(بعض الأفكار مقتبسة بتصرف من مسلسل أمريكي )
تعليقات : 6 تعليقات »
التصنيفات : Social


أحدث التعليقات