التاريخ : 21/10/1999
كان اعلانا بارزا في جريدة تشرين … تعلن الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية عن اقامة دورة في لغة البرمجة جافا Java و ذلك في مقرها الكائن بحديقة تشرين المدخل الجنوبي من تاريخ كذا الى كذا و برسم كذا …
الشروط المطلوبة : معرفة بأحد لغات البرمجة بالاضافة الى معرفة باستخدام أنظمة التشغيل …
هممم … فرصة جيدة … لن يجرأ أي معهد عادي بدمشق في تلك الفترة على أن يتكلف برسوم نشر اعلان للغة برمجة حديثة , ربما لن يشترك بدورتها أكثر من ثلاثة أشخاص …
دعك من أن قاعة الجمعية السورية للمعلوماتية واسعة و مكيفة و مجهزة ببروجكتور للعرض بالاضافة الى أن المدرسين غالبيتهم مختصون و الأجهزة مرتبطة جميها بشبكة داخلية … ربما تكون هذه المواصفات متوفرة الآن فب بعض المعاهد الحالية .. و لكن دعني اذكرك بأننا نتحدث عن العام 1999 …
الدكتور عمار … كيف يمكن أن تصفه … تخيل معي جهازا يقيس درجة ال IQ على شكل عداد سيارة مدرج من الصفر الى 175 و هي أعلى درجة لل IQ … و لنفرض جدلا و من باب ايصال الفكرة أن الجهاز مزود بأقطاب توصل على الرأس .. و عندما توصلها سيتحرك العداد ليصل الى الرقم الذي يمثل ال IQ …
لو وصلنا هذا الجهاز الى رأس بوش مثلا … فلربما يتحرك العداد قليلا ( هذا اذا تحرك ) ..
أما لو صلناه الى رأس كاسباروف … فقد يصل الى 160 أو أكثر بقليل ..
ثق تماما لو أني وصلت الأقطاب الى رأس الدكتور عمار .. لكان العداد قد انتفض و قفز الى ال 175 في ربع ثانية .. تماما كما يحدث في مقياس الآفو متر عندما تقيس بطارية جديدة 12 فولت و لكن الآفو معير على 1.5 فولت …. هذا عدا أن العداد قد يتجاوز ال 175 و يعيد اللفة داخل العداد مرتين أو ثلاثة …
هو من الأوائل على سوريا في الشهادة الثانوية العلمية .. لضعف قدراته المالية لم يستطع دراسة الطب .. بل فضل دراسة البحوث .. حيث أن صعوبة الدراسة لم تكن لتشكل أي عائق أمام قدراته العلمية .. بالفعل فقد أثبت جدارة و كفاءة .. وتم انتدابه الى فرنسا للحصول على شهادة الدكتوراة … و كما هي العادة .. فهو ملزم بالعمل في خدمة الدولة بعد عودته لعدد من السنين لم أعد أذكره .. عشرة يمكن …
تسألني ما علاقته بالقصة …
بما أن الدكتور عمار مضطر أن يقضي فترة خدمة الدولة .. رغم أن مئات الشركات في الخارج تنتظر منه اشارة لقبول العمل معها بالراتب الذي يريده … و بما أن الراتب ( بلا فضايح ) .. فقد قبل اعطاء الدورة المسائية لكل يعزز وضعه المالي … رغم أن لغة الجافا بالنسبة لعلمه الغزير .. هي عبارة عن شيء بسيط .. اذا أردنا أن نشبه الموضوع … فهو كأنك أتيت بديميتري ماندلييف الى طلاب الصف الأول الابتدائي ليشرح لهم ماذا يمثل حرف O أو حرف H على جدوله …
كانت أكثر دورة قمت بها امتاعا في حياتي … غالب الدورات التي قد يحضرها الشخص تكون مملؤة بالمبتدئين ( و هذا هو الطبيعي .. لو كانوا محترفين لن يكون هناك داع للدورة ) … و لكن دورة الجافا كانت غير …
ما هي الجافا ؟ و لماذا أخذت هذا الصيت في فترة ما ؟؟
الجافا .. هي لغة كانت شركة Sun قد بنتها .. وكانت تعمل على نظام الدوس .. كانت برمجتها قوية الى حد ما , رغم أن تنفيذها كان مستغربا الى حد ما .. فكان عليك أن تكتب البرنامج مثلا على ملف TXT ثم تقوم يتنفيذه عن طريق الدوس …
الأمور تطورت لاحقا طبعا .. و كان التركيز الأساسي في الدورة على برنامج Boarland J Builder و هي الشركة التي طورت أيضا لغة Delphi …
تتميز الجافا بأن البريمجات ( Applets ) الناتجة , تعمل على جميع الأنظمة و المنصات .. ما يعرف ب ( Non-Platform Based ) .. البرنامج الناتج سيعمل على الويندوز و اللينوكس و الماك او اس و غيرها و غيرها .. لأنه غير مرتبط أبدا بأي نظام .. على عكس الكثير من البرامج التي ان كتبت لتعمل على الويندوز فهي لن تعمل على غيره … لذا تجد غالبا عندما تود تحميل برنامج ما أو ملف تعريف , عدة نسخ لعدة أنظمة تشغيل .. الجافا تجاوزت ذلك .. دعك من أن الBoarland J Builder هو من نوع ما يمكن أن نسميه ( Object Oriented ) أو البرمجة غرضية التوجه .. و هي بشكل عام أسهل من لغة السي ( C ) و التي تعتبر من نوع ( Procedural ) .. الجافا تتميز أيضا بدعمها لتقنيات ( Multi – Threading ) و لكن هذا موضوع آخر … المهم أن الجافا لغة ناجحة بكل المقاييس .. و لك أن تتخيل مدى نجاحها عندما تشاهد ال Java Platform يعمل في الكثير من المواقع الحديثة و التي يهما أن تعمل مواقعها المزودة بملفات ملتدي ميديا على أي جهاز و خاصة بعد الانتشار الكبير لبرامج المصادر المفتوحة و أهما اللينوكس الذي أصبح معتمدا على الكثير من المخدمات ….
بالعودة لموضوعنا … بالنسبة لدورة الجافا .. كانت كما قلنا مختلفة لأنها كانت مليئة بالمبرجين الذين جاءوا لزيادة علمهم … لن تجد في هذه الدورة مثلا شخصا لا يعرف كل شي عن خوارزميات البرمجة .. لن يضيع الدكتور وقته بكل تأكيد في شرح خوارزميات و حلقات بسيطة مثل ال IF و ال FOR و ال DO , بينما
هناك المئات من الأشياء الجديدة التي يمكن تعلمها …
لذلك , كان من السهولة بمكان ملاحظة أن تلك الآنسة التي تزن 60 من الكيلوغرمات قبل المكياج و حوالي ال 75 بعده , تجلس في مكانها و هي ( مو عرفانة وين الله حاططها ) و خاصة أني بدأت الاحظ نظرات الهبل الصادرة عنها كلما ذكر الدكتور مصطلحا جديدا …
علمت أنها موظفة في احدى الوزارات ( بدون ذكر أسامي ) و هي منتدبة لحضور هذه الدورة لذلك توجهت بالسؤال الى زميلها المنتدب من نفس الوزارة لحضور الدورة , و الحقق يقال أن الشب فهمان جدا و هو مبرمج من الطراز الأول … بالاستفسار منه , فهمت أن الآنسة معها فيتامين واو بكثرة … و قد دبرت الحضور الى الدورة بواسطة , لأن حضور الدورة المسائية يعتير دواما اضافيا .. دعك أن احدا لن يسألها لاحقا عن ما تعلمته .. بالاضافة الى تعويض تحصل عليه أيضا … أي ان المسألة لا تتعدى تضييع ساعتين مساءا في سماع محاضرة ( باللغة الصينية بالنسبة لها ) و الصالة مكيفة و الجلوس في جنينة تشرين بعد الدورة مع الأصدقاء يزيل مقت هذه المحاضرة المملة ..
قبل ذلك اليوم , لم أكن أود أن أظلم المخلوقة .. لعلها كانت تستفيد و ترغب بالفائدة , رغم أن مستوى مشاركاتها لم يكن يدل على ذلك أبدا … و لكن في ذلك اليوم توضحت الأمور … كانت الدرس على وشك النهاية باقي حوالي ال 10 دقائق عندما دخلت الى القاعة ..
( هي ) الحمد لله , لحقتك دكتور أبل ما تخلصوا ..
انبسط الدكتور كثيرا , لأن الآنسة رغم أنه من الواضح أنها لا تستفيد كثيرا , الا أنها آثرت الحضور و لو متأخرة لكي تحصل من الدكتور على شرح مبسط لمحاضرة اليوم حتى لا تتأخر عن زملائها في الدورة .. فرح لأنه رأى أن جهده لا يضيع حتى مع أضعف طلابه ..
( الدكتور ) اتفضلي ارتاحي آنسة .. هلأ بس نخلص رح اقعد معك و اشرحلك الدرس كلو و لو اتأخرت , و لا يهمك …
( هي ) لا دكتور … مو مشكلة .. محاضرتك ما كتير بتهمني… أنا جايه بس مشان سجل حضور .. لأنو اذا غبت مرتين عن الدورة بيستبعدوني و بينزلوا حدا محلي …
كانت آثار الصدمة واضحة على الدكتور .. بالأصح كانت واضحة على وجوه الجميع ..
( الدكتور ) : آنسة , أنا بفضل انو ما تحضري ولا درس و أنا بايدي رح حطك حضور …
قالها و حمل أوراقه و خرج من القاعة … ركب سيارته البيك أب موديل الثمانينات و التي كان بلا شك قد اشتراها بالتقسيط …
بينما اتجهت الآنسة الى غرفة السكرتيرة مراقبة الدوام … سمعنا صوت ضحكتها الرقيعة من الداخل .. و خرجت بعد أن أمنت على حضورها .. ركبت سيارتها الفارهة و انطلقت …
لم تكتفي أن حرمت شخصا كان أجدر منها بهذا المقعد … لم تكتفي بأنها كلفت الوزارة براتبها الاضافي و تعويضها و رسوم الدورة … بل جرحت كبرياء الدكتور بشكل فظ …
واحسرة على العلم و العلماء في بلدنا …. لهم الله فقط , و لاغير ذلك ….

أحدث التعليقات