” عيش “
صرخت فرح وهي تلمس بيدها الصغيرة كتف صديقتها سمر المسجونة في سجنها المزعوم وانطلقت الطفلتان لكي تبحثا عن مكان آخر للاختباء، بينما كان أخواها يبحثان عن ما تبقى من أطفال لكي يتما عملية القبض على أطفال الحارة كما يفعلان كل يوم، ولكن كما يحدث كل يوم فإن فرح بخطواتها السريعة وقوامها الرشيق كانت دائما تستطيع تحرير أصدفائها لتتوج في نهاية كل يوم كأفضل لاعبة في لعبة الشرطة والحرامية، حيث كانت ومازالت الخيار المفضل لكل أصدفائها لتكون في فريقهم لخفة حركتها ولسرعة تفكيرها.
“سأصبح بطلة العالم ذات يوم” كانت تقول لوالدتها كل مساء، كانت تتخيل نفسها تركض كما يركض هؤلاء الأبطال في التلفاز ، ولكن الفرق هو أن هؤلاء الأشخاص كانوا يحصلون على ميداليات جميلة، وكان المصورون يتجمعون حولهم لأخذ صورهم، لم تذكر أن قام أحد بتصويرها من قبل سوى عمو أبو جمال الذي يملك محلا للتصوير وقد كان ذلك من أجل مدرستها الجديدة، حيث أنها ستبدأ الدراسة في الصف السابع بداية العام الدراسي القادم.
كانت تنظر الى هؤلاء الفتيات المرتديات البدلة المدرسية الزرقاء و كم كانت تتمنى أن تلبس مثلهن، لقد حان الوقت الآن، والمدرسة ستفتح أبوابها بعد شهر، لم تكن متحمسة الى بداية الدراسة بقدر ما كانت متحمسة هذا اليوم.
كان لها من اسمها نصيب كبير، عندما تكون فرح في أي مكان، فإن الفرح يحضر بقوة، كانت تحب تلك الضفائر التي كانت والدتها تتفن في اعدادها لها، شعرها الذهبي الطويل كان مناسبا جدا لعمل التشكيلات الجميلة، جميع من كان ينظر اليها كان يتمنى أن تكون له ابنة تشبهها، هكذا قال لها عمو أبو سامر، سمان الحارة.
كثرت زيارات أبو سامر لبيتهم، لم تكن تدري لماذا يحب أن يأتي الى بيتهم الصغير الضيق الذي بالكاد يتسع لها ولأخويها ووالديها، بينما يملك أبو سامر بيتا كبيرا، أكبر بيت بالحارة، كانت تشاهد زوجة أبو سامر كل يوم على الشرفة، كم كانت تتمنى لو أن لها بيتا كبيرا كبيت أبي سامر، لكي تركض فيه بحرية، سمعت أن أبو سامر اشترى بيتا جديدا، من الواضح أن عمو أبو سامر لديه الكثير من المال، طبعا… فهي دائما تنفق مصروفها على شراء الأكلات الطيبة من عنده، كم هو محظوظ عمو أبو سامر، بامكانه الحصول على كل ما يريد من أكياس الشيبس، بينما لا أستطيع أنا سوى شراء كيس واحد من أكياس الخمس ليرات.
كان ذلك اليوم غير عادي، أحضرت لها والدتها فستانا جديدا، لم يكن العيد قد حان بعد، كان فستانا أبيضا رائع الجمال ، لبسته فرح وبدأت تقفز أمام المرأة. ” ليش بابا جبلي فستان ؟” ، نظرت اليها والدتها ولم تستطع فرح ايقاف دموعها التي انسابت لأنها لم ترى والدتها تبكي من فترة، ” ماما ليش عم تبكي ؟ “، أجابتها والدتها ” ما في شي حبيبتي، هادا عمو أبو سامر جبلك ياه”.
بالتأكيد توجد مناسبة اليوم، قامت والدة فرح بالباسها الفستان الأبيض، صففت لها ضفائرها الطويلة، وركبت مع والدتها في سيارة جميلة، لم تركب يوما في سيارة كبيرة مثل هذه.
موسقى صاخبة، الكثير والكثير من الناس، لم تصدق فرح حينما أجلستها والدتها في الكرسي الكبير الذي يتوسط القاعة، كانت تظن أن هذه المقاعد مخصصة للكبار حيث أن أقدامها الصغيرة لم تقدر على ملامسة الأرض، فتيات كثيرات يرقصن، قامت احداهن بحملها من على الكرسي وامسكتها من يديها وبدأت بالرقص معها، كان فرح سعيدة جدا وهي ترقص، ولسبب ما كان الجميع يقوم بأخد الصور معها، لم تكن تتخيل أنها ستتصور بالكاميرا قبل أن تربح الميدالة التي طالما حلمت بها.
دخل أبو سامر الى القاعة، وقد جلس الى الكرسي الكبير المجاور لكرسي فرح، كان كما تراه دائما، هادئا و مبتسما، كانت تحب الشعر الأبيض على أطراف رأسه، كان يذكرها بجدها الذي لم تعد تراه من فترة، كانوا يذهبون لزيارته مرة كل أسبوع ، ولكنهم توقفوا منذ السنة الماضية، لعله لم يعد من سفره بعد، لأنها كانت دائما تسأل والدتها عنه فكانت تجيبها بأن سفره قد يطول وقد يتأخر بالعودة.
اقترب منها أبو سامر وامسكها من يديها، نظرت فرح الى والدتها حيث أنها كانت دائما تحذرها من الاقتراب من الغرباء، لم توبخها والدتها بل استمرت بالنظر اليها وعيونها تدمع، استمرت فرح بالرقص مع أبو سامر، وبعد ذلك بدأ الحضور بتناول الطعام ثم بدأوا بالمغادرة.
وقفت فرح مع أبو سامر بجانب السيارة، فتح لها الباب، ثم نظرت الى والدها ووالدتها وأخويها الواقفين على باب القاعة، ” مو جايين معنا ؟ ” أجاب أبو سامر ” هلأ بيلحقونا بسيارة تانية” ، نظرت الى والدها ووالدتها، لوحوا لها، وركبت في السيارة.
لم تصدق فرح عندما قال لها أبو سامر أن هذا البيت هو لها منذ الآن، بيت كبير بممرات طويلة، تستطيع أن تركض وتقفز فيه بحرية، فيه غرف كثيرة، لن تضطر بعد الآن أن تشارك أخوتها نفس الغرفة، يستطيع كل شخص الآن أن يحصل على غرفته الخاصة، كم هو حباب عمو أبو سامر، لقد أهداني فستانا جميلا، ثم أهداني بيتا كبيرا، أرجو أن يسمح لي بأخذ كيسين من الشيبس المرة القادمة مقابل الليرات الخمس، لا تدري لماذا أصبح كريما فجأة معها.
” عمو وينون ماما و بابا ؟ ليش ما إجو ؟”، نظر إليها وقال ” حبيبتي فرح أنا هلأ صرت ماما وبابا و أهلك وحياتك كلها، بدك تصيري تناديلي حبيبي” ، توردت خدود فرح الصغيرة، لم يكن والدها يسمحان لها بمشاهدة أي شيء في التلفاز،عدا عن برامج الأطفال و كانت والدتها توبخها كلما وجدتها تشاهد مسلسلا ، وخاصة عندما يقبل الشاب على الفتاة ويقول لها حبيبتي و ترد بقولها حبيبي، كانت والدتها تقول لها أن هذه الأشياء هي للكبار الفقط .. ” لاحقة على هالشغلات” هكذا كانت تقول لها، لذلك لم تعرف فرح ماذا تقول لأبو سامر الذي بدأ بجرها الى غرفة كبيرة، انفلتت الشريطة التي تربط ضفائرها وسقطت على الأرض، أحست فرح بالخوف ” بدي ماما وبابا” . قال لها أبو سامر ” بدنا ننام هلأ ” أجابته بأنها لا تستطيع النوم بدون وجود دبها القطني ودون أن تعطيها والدتها قبلة ما قبل النوم، تغيرت نبرة صوت أبو سامر ” فوتي ادامي” خافت فرح كثيرا، وبدأت بالبكاء.
لم تستطع فرح التوقف عن البكاء من شدة الألم، كانت تستنجد بعمو أبو سامر أن يتوقف عن إيلامها ، لم يستجب أبو سامر … الرجل الطيب ذو الابتسامة الهادئة، تحول الى وحش كاسر، لم تعد تحس بأطرافها من شدة الألم، لم يستجب أحد لصراخها، بدأت الدنيا تدور من حولها، ولم تعد تحس بما حولها.
عندما أفاقت فرح، كان الألم مازال شديدا، لم تعد تشعر بنصفها الأسفل، كانت والدتها بجوارها ،كانت مستلقية على فراش كبير، فيما يبدو أنه المشفى المركزي القريب من الحارة، كانت سعيدة جدا عندما رأت والدتها بجوارها، رغم أنها كانت تبكي وهي تضمها الى صدرها، لسبب ما لم تستطع فرح أن تتحرك من مكانها.
“شد حيلك يا أبو علاء” تناها الى مسامعها صوت ذلك الشخص الذي يرتدي ذلك المعطف الأبيض وهو يحدث والدها، هذا طبيب بكل تأكيد، كان تشاهد نفس المعطف الأبيض الذي كان يرتديه أحد الأشخاص الذي كان يأتي لزيارة جدها في منزله قبل أن يسافر، كانت والدتها تقول أن الطبيب يعالج المرضى ويخفف آلامهم، تمنت فرح أن يقوم بمساعدتها لأنها ما زالت تحس بألم شديد، تابعت فرح ما قاله الطبيب ” تهتك شديد في الأعضاء الداخلية، تمزق في الرحم، يؤسفني خبرك انو ما عادت فادرة على الزواج، بالاضافة انو رح نضطر نركب مسامير مشان كسر الحوض، بنصح انو ما تتحرك من التخت قبل شهر على الأقل، والكرسي المتحرك رح يكون ضروري على الأقل لمدة سنة”
رغم أنها لم تفهم ماذا حدث، ورغم أنها مازالت لا تعرف لماذا يبكي الجميع من حولها، الا أنها ولسبب ما أحست بأنها لن تستطيع الذهاب الى المدرسة التي حلمت بها، ولن تستطيع أن تربح الميدالية التي تمنتها، لم يكن ذلك مهما، لأنه عندما أخبرتها والدتها أنها لن تستطيع أن تلعب شرطة وحرامية في الحارة مرة أخرى، بدأت فرح بالبكاء، انسابت أحلامها مع دموعها، وأسندت رأسها على السرير وأغمضت عينيها، ” لن أصبح بطلة للعالم بعد اليوم”.
لا تقتلوا الطفولة …
لا تغتالوا الحلم …
لا تبيعوا أطفالكم …

أحدث التعليقات