يومَ إستيقظ ضميره

28 04 2009

dark_rose3

“إتصل بالسيد ناقل الخطابات وأسأله عن الخطاب، لقد تأخرنا”

توجه بالجملة السابقة إلى سائقه وأعاد النظر إلى المرآة.

أعرفكم بالسيد ” كاذب الكذبة” ، على مدى ثلاثة عقود كان السيد كاذب هو الشخص الوحيد الذي نجح في الحصول على ثقة مجلس الحكم الملكي لمملكة ” تعب ستان” لكي يقوم بإلقاء الخطابات الحساسة في المحافل الوطنية الكبيرة.

لم يكن الوصول إلى منصبه بالأمر السهل، فطوال عمره كان كاذب ينقل الأخبار السيئة بأسلوبه الخاص، بحيث يشعر متلقي الخبر المصيبة بوقع أخف للخبر، حيث أن كاذب قد تفنن في ابتداع الخطب الحماسية التي تهيئ للخبر المصيبة الذي سيتلقاه المستمع، فعندما كان في سن العاشرة فقط، شاهد جماعة أبي الغضب وقد كان من كبار المتنفذين في قريته قرية ” الجحيم “، تقوم بإغتيال مختار الضيعة الذي كان يقف دائما كالسد المنيع في وجه مشاريع أبي الغضب التوسعية والتي كانت ستضر بأهل القرية، فركض كاذب إلى القرية وأعلمهم بانتهاء حقبة الظلم المتمثلة في حكم المختار، وكيف سيقوم أبو الغضب ببناء القصور والعمارات في القرية ليحولها إلى عاصمة جديدة للمملكة، فهلل أهل القرية فرحين بخطاب كاذب الثوري وساروا خلفه في مسيرة تأييد إلى قصر أبي الغضب ليعينوه مختاراً جديداً.

يومها، أصبح كاذب قريباً جداً من أبي الغضب، والذي كان يرسله دائماً بخطابات جديدة إلى القرية، ينبأ فيها بتخفيض حصة كل مواطن من محصول قمحه إلى نسبة عشرية ، تقل في كل مرة يلقي فيها كاذب هذا الخطاب، تذكر يومها كيف أن أهالي القرية هللوا فرحاً عندما أعلمهم كاذب بتنقيص حصة كل فرد إلى عشر الحصة السابقة وذلك في مقابل أن يقوم أبو الغضب بببناء إستاد لكرة القدم داخل القرية، وقد أخبرهم كاذب يومها أن منتخب الأندلس بطل العالم ، سيلعب مباراة التدشين مع فريق القرية، فقامت الجماهير بحمل كاذب على أكتافها، وصرخت بأعلى صوتها والفرح والسعادة يملأ جنبات القرية ” كاذب ، كاذب، يعيش كاذب ، يعيش أبو الغضب”

إشتاق كاذب إلى قريته كثيراً، حيث أنه لم يزر القرية منذ أن طلبه مجلس الحكم الملكي منذ ثلاثين عاماً بعد خطبة الإستاد الشهيرة، ليكون المتحدث الرسمي بإسم المجلس، ألقى كاذب خلال تلك الأعوام المئات من الخطب الحساسة والتي تبعها فرض عدد من الرسوم والضرائب الضخمة، والتي كان الشعب يتلقاها بكل رحابة صدر بسبب وعود كاذب الخلبية، ولكن بالنسبة لكاذب فاليوم هو يوم مختلف عن بقية الأيام.

كان كاذب ينتظر الخطاب الذي سيلقيه اليوم ، والذي سيرسله السيد ” ناقل الخطابات ” إليه في سيارة خاصة، حيث أنه قد أعلمه بشكل مسبق بأن خطاب اليوم سيكون من العيار الثقيل وسيتسبب في دمار أهل القرية التي سيلقي فيها هذا الخطاب، ويجب عليه أن يتدرب جيداً على إيصاله بالشكل المناسب والذي اعتاده المجلس الملكي منه، كان كاذب يحب أن يلقي تلك الخطابات الثقيلة، لأن إبداعه يزداد كلما زاد حجم المصيبة التي سيزفها للشعب المسحوق، وتخيل خطاباً آخر كخطاب الإستاد، يزيد في شعبيته ويزيد من مكافآته التي سيتلقاها من المجلس بعد الخطاب.

رن هاتف كاذب النقال، كان المتحدث هو السائق الذي أخبره بوصول الخطاب، وأن عليهم التحرك فوراً لأن القرية بعيدة ، لم يهتم كاذب كثيرا على اعتبار أن الفرصة لم تسنح له للتدرب على الخطاب، أو معرفة إسم ومكان القرية التي سيذهب إليها ليدرس جغرافيتها بحيث يعرف إذا كان من الممكن بناء إستاد هناك !! ، فهو لم يشأ أن يحدث معه ذلك الموقف الذي باغته مرة من المرات حينما وعد سكان قرية الجبل الوعر والتي تقع على سفح الجبال المنحدرة ببناء إستاد لكرة القدم، رغم أن القرية كلها تقع على أرض وعرة مليئة بالمنحدرات والكتل الصخرية، ولاوجود لأي سطح مستوٍ فيها، ورغم ذلك هللت الجماهير له وحملته على الأكتاف وهي تنادي ” كاذب ، كاذب “.

في الطريق، أدرك كاذب بأنه مر من هنا سابقاً، بالتأكيد قد مر من هنا، لعله ألقى خطاباً في قرية هنا أو هناك ، ولكن شكوكه كلها زالت عندما قرأ اللوحة المكتوبة على مدخل القرية :

” الجحيم ترحب بكم”.

الآن أدرك لماذا كان هذا الطريق مألوفاً لديه، لقد ساقته الأقدار إلى أن يعود إلى قريته الأم، ويالسخرية القدر، فالخطاب الذي في يده سيكون سبباً في دمار أهله وأصحابه ، يالها من هدية يعود بها إليهم بعد غيابٍ إستمر ثلاثين عاماً.

كانت القرية بائسة كغيرها من قرى المملكة، شوارع قاحلة، أراضٍ زراعبة بائدة، وقد كان منظر الأهالي مزرياً بملابسهم المقطعة ومساكنهم المصنوعة من اللبن، من الواضح أن الضرائب العالية قد جعلت قريته في وضع مأساوي، وأصبح شبح الفقر والجوع يجول بحرية في أرجاء القرية، يدخل جميع البيوت دون إستثناء، ورغم ذلك فقد إستقبله أهل قريته بترحاب، وحملوه على أكتافهم وقادوه إلى المنصة الرئيسية والتي كانوا قد اضطروا إلى الإستغناء عن أبواب منازلهم الخشبية ليقوموا بصنعها.

بعد أن إتخذ كاذب مكانه على المنصة ، ووقف عشرات الآلاف من أهل قريته ينظرون إليه وينتظرون الأخبار السعيدة التي قد وعدهم بها، لمح كاذب لوحةً كتب عليها ” أهل الجحيم يرحبون بإبنهم البار كاذب، ويرجون من الله أن يوفقه لما فيه خير القرية وأهلها”.

حاول كاذب إخفاء دمعته التي بدأت بالتسلل من عينه، فتح الخطاب، قرأه في سره، ثم أغلق الخطاب ونظر إلى الجماهير وقال :

” يا أهالي قريتي، عدت إليكم أحمل الأمل والسعادة، لقد قرر المجلس رفع كافة أنواع الضرائب عنكم، وسنقوم بتطوير الأراضي الزراعية كلها، سنبدأ بشق الطرقات لتصل إلى القرية، وستكون أموالكم كلها ملكاً لكم، سيعم الرخاء على الجميع، وستتحسن أموركم، لقد ظلمناكم يا أهالي قرية الجحيم، ولكن التغيير سيبدأ اليوم، ومن اليوم أصبح إسم القرية هو قرية النعيم”.

كانت الفرحة لا تصدق، وقد بدأ الأهالي بالرقص والغناء بفرح، وقد أحسوا بصدق كلام إبن بلدهم، وكيف أن هذا الخطاب مختلف بالفعل عن الخطابات التي كانوا يسمعونها في التلفاز مسبقاً، ومن شدة فرحهم نسوا كل شيء عن كاذب، الذي كان قد ركب سيارته بهدوء وغادر القرية.

” هل أذهب إلى المنزل يا سيدي ؟” ، قال السائق الخاص لكاذب.

“بل إذهب إلى القبو مباشرة، لن أنتظرهم حتى يستدعوني إلى هناك”

كان القبو هو الرمز الخاص بالمكان الذي يجتمع فيه أعضاء المجلس الملكي، وهو المكان الذي انطلفت منه كافة مشاريع الضرائب التي سحقت أفراد الشعب، دخل كاذب إلى صالة المجلس والتي كانت مظلمة، ووقف خلف منصة الإستجواب، وعندها تم تسليط الضوء في وجهه بحيث لا يرى أعضاء مجلس الحكم الملكي.

” لماذا فعلت ذلك يا سيد كاذب ؟ “

قال كاذب ” أرجو أن تسمعني يا سيدي، عندما فتحت الخطاب ووجدت ما فيه، ونظرت بعدها إلى أفراد قريتي بلباسهم الممزق وحالتهم المزرية، لم أستطع أن أتلو هذا الخطاب عليهم، كيف تريدني أن أقول لهم أن يشدوا الأحزمة، وهم لا يملكون ثمن حزامٍ حتى ؟، كيف أخبرهم بأن يتركوا منازلهم الخاوية ليسكنوا في الخيام البالية التي سنزودهم بها  لكي ندمر تلك المنازل ونمرر طريقاً خاصاً إلى قصر أحد أعضاء مجلسكم ؟ ، كيف سأخبرهم بأننا سنسلب أراضيهم الزراعية لصالحكم ، ثم سنجبرهم على العمل فيها دون مقابل ؟ أنت لم ترهم ياسيدي، لقد كانت نظرة البؤس والشحوب على وجوهم جميعاً، وقد كان هذا الخطاب كفيلاً بقتل ما تبقى لديهم من أمل، وعندها سيكون موتهم أفضل من حياتهم، لقد أعطيتهم جرعة من الأمل، عندما قمت بتحريف الخطاب.

” ومن قال لك يا غبي أننا نهتم لأمرهم ؟ ، فليموتوا أو يعيشوا، مالفرق ؟ من أعطاك الصلاحية لكي تعصي أوامرنا وتتصرف من عندك ؟”

قال كاذب ” أنتم وحوش يا سيدي، وأنا نادم على كل لحظة قضيتها في خدمتكم”.

مرت عشر سنوات كاملة على ذلك اليوم، ومازال كاذب قابعاً في سجنه ، إرتأى المجلس بأن زجه في سجن إنفرادي مدى الحياة سيكون عذابا أكبر بمئات المرات من إعدامه بتهمة عصيان أمر المجلس، خلال السنة التالية ليوم خطبته الأخيرة، أشيع في المملكة عن نبأ وفاة المتحدث الرسمي للمجلس السيد ” كاذب الكذبة ” بحادث أليم أثناء عودته من قرية الجحيم، وتم عمل نصب تذكاري له في إحدى الساحات، وتم دفن جثته المفترضة في أهم مدافن أشراف المملكة.

كانت الأيام تمر على كاذب وهو قابع في عتمة سجنه، وبسبب انعدام الضوء لعشر سنوات قضاها في تلك العتمة فقد فقد كاذب بصره ونحل جسمه حيث أن نصيبه اليومي من الطعام كان لا يزيد عن كسرة من الخبز وجرعة من الماء، عشر سنين مضت دون أي تغيير، يفتح الحارس الطاقة الصغيرة في أسفل الباب ويرمي بالخبز وعلبة الماء إلى حيث يقبع كاذب، ثم يعود في اليوم التالي ليكرر نفس العملية.

مد كاذب يده محاولا تحسس مكان الخبز، عندما اصطدمت يده بذلك الشيء، وقد كانت السنين العشر كافية لأن ينسى كاذب هذا الإحساس الذي سيطر على جسده عندما لمس ذلك الشيء، كان طرياً جداً وناعم الملمس، ولحسن حظه أنه لم يفقد حاسة الشم مثلما حدث مع بصره، فقام بشم ذلك الشيء وقد تأكد بعدها من أنها كانت بالفعل وردة ناعمة ذات رائحةِ زكية.

حتى بعد مضي عشر سنين، فقد تذكر رائحة الورد الجوري، ولو أنه مازال يملك بصره لكان قد نظر إلى لونها الأحمر القاني، تخيلها في مخيلته، واستجمع بعدها جزءا من قوته ونادى ” من هناك ؟”.

” سيد كاذب، أنا أحد أهالي قريتك، قرية الجحيم، لقد تم تعييني هنا منذ أسبوع، ولكني كنت أظن كما يظن كل الناس بأنك قد مت، ولم أصدق أنك مازلت حياً عندما أخبرني بقصتك الحارس السابق، الحمد لله أنك حي، هذه الوردة مني ومن أهالي قرية الجحيم، لقد زرع خطابك في نفسنا أملاً كنا بحاجة إليه، كان والدي على وشك الإنتحار قبل ذلك اليوم، ولكن خطابك قد أعاد الأمل إليه وإلينا جميعاً، لقد تسلحنا جميعاً بالصبر بعد ذلك اليوم، وقد أشعل خطابك فينا الحماس والعزيمة، لقد حزن أهل القرية جميعاً عندما علموا بوفاتك، ولكنهم تعاهدوا على العمل والصبر والتمسك ببريق الأمل الذي أعطيتنا إياه إكراماً لك، سأحرص منذ اليوم يا سيدي على إحضار الطعام الكثير لك، وسأحاول أن أخرجك من السجن كل يوم خلسة لكي ترى العالم الخارجي وتحرك جسمك، ستتغير الأمور يا سيدي، أعدك بذلك”.

أسند كاذب رأسه إلى حائط السجن، وهمس في قرارة نفسه ” لقد قمت إذاً بالعمل الصحيح”.

لم يرد كاذب لمدة يومين كاملين على نداء صديقه الحارس الجديد، وقد بدأ الحارس يحس بالقلق، لذا فقد استجمع شجاعته وقام بفتح الباب الذي بقي مغلقاً لعشر سنوات، وانهار باكياً عندما رأى جثة السيد كاذب ممدة على الأرض وهو يحتضن بكلتا يديه وردة ذابلة، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة لم يستطع أحد تفسيرها.





المقامة الشامية … وباللهجة العامية

25 04 2009

تذكرت اليوم وبينما أغوص في ذكريات الماضي، كتاب اللغة العربية لأحد صفوف الدراسة ولعله صف التاسع أو العاشر، تذكرت أننا درسنا فن السجع ، وقد كانت المقالة المرافقة هي المقامة البغدادية لبديع الزمان الهمذاني، كم أحببت وقتها هذه المقامة، لذلك بداية سأضعها هنا كاملة كي يستمتع بها من لم يقرأها من قبل :

يقول بديع الزمان : حدثنا عيسى بن هشام فقال :

اشتهيت الأزاد وأنا ببغداد ، وليس معي عقد، على نقد، فخرجت أنتهز محالـّه حتى أحلـّني الكرخ، فإذا
أنا بسواديّ يسوق بالجهد حماره، ويطرّف بالعقد إزاره، فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله أبازيد، من
أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت؟ وهلمّ إلى البيت، فقال السّوادي: لست بأبي زيد، ولكنّي أبو عبيد،
فقلت: نعم، لعن الله الشّيطان، وأبعد النّسيان، أنسانيك طول العهد، واتصال البعد، فكيف حال أبيك؟ أشابّ
كعهدي، أم شاب بعدي؟ فقال: قد نبت الربيع على دمنته، وأرجو أن يصيّره الله إلى جنته، فقلت: إنا لله
وإنا إليه راجعون، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، ومددت يد البدار، إلى الصّدار، أريد تمزيقه،
فقبض السّواديّ على خصري بجمعه، وقال: نشدتك الله لا مزّقته، فقلت: هلمّ إلى البيت نصبّ غداء، أو
إلى السّوق نشتر شواء، والسّوق أقرب، وطعامه أطيب، فاستفزّته حمة القرم، وعطفته عاطفة الّلقم،
وطمع، ولم يعلم أنّه وقع، ثمّ أتينا شوّاء يتقاطر شولؤه عرقاً، وتتسايل جوذاباته مرقاً، فقلت: افرز لأبي
زيد من هذا الشّواء، ثمّ زن من تلك الحلواء، واختر لي من تلك الأطباق، وانضد عليها أوراق الرّقاق،
ورشّ عليه شيئاً من ماء السّماق، ليأكله أبو زيد هنيّـاً، فأنحنى الشّوّاء بساطوره، على زبدة تنّوره، فجعلها
كالكحل سحقا، وكالطّحن دقـّا، ثم جلس وجلست، ويئس ولا يئست، حتى استوفينا، وقلت لصاحب
الحلوى: زن لأبي زيد من الّلوزينج رطلين فهو أجرى في الحلوق، وأمضى في العروق، وليكن ليلـّى
العمر، يوميّ النـّشر، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤيّ الدّهن، كوكبيّ الّلون، يذوب كالصّمغ، قبل
المضغ، ليأكله أبوزيد هنيّا، قال: فوزنه ثمّ قعد وقعدت، وجرّد وجرّدت، حتى استوفيناه، ثم قلت: يا أبا
زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصّارّة، ويفنأ هذه الّلقم الحارّة، اجلس يا أبا زيد حتى
نأتيك بسقـّـاء، يأتيك بشربة ماء، ثم خرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني أنظر ما يصنع، فلما أبطأت
عليه قام السّوادي إلى حماره، فاعتلق الشّوّاء بإزاره، وقال: أين ثمن ما أكلت؟ فقال أبوزيد: أكلته ضيفاً،
فلكمه لكمة، وثنى عليه بلطمة، ثم قال الشّوّاء: هاك، ومتى دعوناك؟ زن يا أخا الـ**** عشرين، فجعل
السّـواديّ يبكي ويحلّ عقده بأسنانه، ويقول: كم قلت لذاك القريد، أنا أبو عبيد، وهو يقول أنت أبو زيد،
فأنشدت:

أعمل لرزقك كلّ آلـــه=لاتقعدنّ بكلّ حالة
وانـهض بكلّ عـظـيـمة=فالمرء يعجز لا محالة

جميل ما كتبت يا بديع الزمان، طيب لماذا لا أقوم أنا أيضاً بكتابة السجع، شو شغلة صعبة ؟ فانظروا ماذا أتيت به ، وباللهجة العامية الفصحى المختلطة، وهي علامة مسجلة الحقوق لي شخصياً.

حدثنا إيكار ابن ديدال وهو من جند مينوس العظيم وقال :

ذهب الشيطان الى العاصمة ، ليبحث عن روح ليسرقها.

فقد سمع أن هذا المكان مليء بالأرواح الفاسدة منذ مولدها.

امتطى دراجته النارية الضخمة.

ومضى بقلبٍ لا يعرف الرحمة.

وبينما هو يمتطي دراجته، شاهد شخصا وحيدا.

كان ينتظر الميكروباص، ولم يبدُ سعيداً.

اقترب منه الشيطان، وقال له بدهاء.

” أرى أنك غير مسرور، و لاتعيش في هناء”

نظر اليه المواطن نظرة المكسور

وقال له” أين سأجد السعادة وأين أجد الحبور؟”

” راتبي الذي قبضته من أسبوع قد تبخر”

“و سوف أقضي بقية الشهر، أشرب الشاي بلا سكر”

ابتسم الشيطان وقال ” سأترك لك الخيار”

“لدي عرض مغر ، سيخلصك من الدمار”

” أنا منبع الألم، وصانع الأحزان”

“فهل تظن أنك حياتك أتعس مني، أخبرني يا فهمان ؟”

” ما دمت بهذه الثقة فاليك هذا التحدي”

” أخبرني عن حياتك ويومك كيف بيعدي”

” وبعدها سنقرر من منا سينتصر”

” فإما أن تأخذ مصاغي الذهبي أو روحك سأعتصر”

قال المواطن :

” اسمع يا سيدي فهذي قصتي، منذ ولادتي وحتى لحظتي “
أنا ربيب الشوارع والحواري، وطوال عمري لم أعرف أبي من جاري
قضيت صغري على اشارات المرور، أبيع العلكة والدخان والبخور
لم أدرس في المدارس مثل رفقاتي، وقد كنت أعمل أجيرا عند أبو عبدو البغجاتي
كنت أعمل طوال الليل والنهار، يعني والعفو منك ولا أجدع حمار
وآخر اليوم أحصل على ليرات قليلة، يأخذها أبي مني بعد أن أحصل على لكمات وفيرة
قضيت نصف عمري في التسول، ويا ليتني كنت أجيد التحول
كنت حولت نفسي الى تراب، وخلصت نفسي من هذا العذاب
بيتي من التنك، وحياتي كلها ضنك
سرقت من كبل الكهرباء خطا صغيرا ، لأنير البيت الذي أملكه ولو قليلا
ولكن النتيجة كانت واحدة، فالتقنين يبدأ من الساعة الواحدة

قال الشيطان ” ما هذه الترهات البالية ؟ “

” أخبرني عن زوجتك الغالية”

قال المواطن :

أضحكتني يا هذا ولم أكن أرغب، هل تمزح معي أو أنك فعلا أجدب ؟
من وين بدي جيب مصاري حتى اتزوج ؟، ولا مفكر الدنيا سايبة وعلى المصاري عم بتزلج ؟
يا حبيبي هي اسمها جوازة بدها هز كتاف، وأهل العروس رح ينخلوك نخل ويبخو عليك بف باف
لحتى تقول بطلت بدي، وعزابي عايش لوحدي.

قال الشيطان ” يكفي يا هذا أوجعت رأسي”

” عن عملك حدثني ليزول بأسي”

قال المواطن :

أعمل بالفاعل وتكسير الحجر، ولو الحجر بينطق لعطاك الخبر
نازل تكسير بالنهار وبالليل، وبرجع بآخر اليوم مهدود الحيل
بزت حالي على هالتخت، وبتخيل حالي بأكبر يخت
ويا ريت الراتب يلي عم باخدو بيكفي، عايش عالدين وحالتي بتبكي

جثا الشيطان على ركبتيه و تنهد

“يكفي هذا ، تقطع قلبي وتمدد”

“خذ هذا المصاغ الذهبي النادر”

“بعه ، فقد شفقت عليك ولم أعد قادر”

وفي هذه اللحظة وصل شرطي المرور

وأمسك الشيطان من كتفه وقال في غرور

” عطيني وراقك يا أفندي و بلا كتر كلام”

“دراجتك مخالفة، وصافف عالطريق العام”

“ما عليها لوحات و لا اضاءة”

“وشكلك كنت سكران ، عطيني البطائة”

صاح الشيطان في غضب

ولم يحتمل أن يعامل بقلة أدب

“أنا الشيطان أيها البشري”

“أنا ملك الجان وعمري سرمدي”

قال له الشرطي و قد انفجر وهو يضحك

“شو أمرتو أخي ؟ مين قلتلي حضرتك ؟”

“ازا كنت انت الشيطان بزاتو”

” فأنا رئيس الاتحاد الافريقي عيسى حياتو”

“أمشي معي انتيه واحد سكران”

“ليك خدودك كيف حمرا، أكيد مفلل الخزان”

” وشاريلي موتور مشان تطبق البنات”

“وقعت بايدي يا واطي، أنا العريف عزات”

“يخرب بيتك شو هاد ؟ شو هالمصاغ الدهب ؟”

” معناتا انتيه يلي سرقت الصايغ تبع ساحة حلب”

” يا ويلك يا سواد ليلك رح تخ بالحبوس”

“و رح ننزل فيك ضرب ورجلينا رح تبوس”

لعن الشيطان حظه و فكر وفكر

“شو جابني على هالبلد، يلعن حظي المعتر”

“يا ساكن بالعاصمة روح الله يعينك”

“تعب كلها الحياة، مكتوب على جبينك”

و هنا صاح الديك و طلع الصباح

وسكت إيكار عن الكلام المباح





بدي شوف بلدي – 2

24 04 2009

 

بدي شوف بلدي

 

 

كنت قد كتبت هنا تدوينة عن إحدى المرات التي كان من المفترض أن أجلس فيها على جبل قاسيون وكيف كنت بدي شوف بلدي ولكنني لم أستطع.

اليوم وبينما أنا مستلقٍ في فراشي لم أستطع منع نفسي من تذكر تلك اللحظات الجميلة التي كنت أقضيها هناك، ولكي أتجنب زحام المساء، كنت أصعد إالى هناك قبيل الغروب وفي يوم دوام عادي، لكي أستطيع الجلوس في هدوء وسكينة، كنت أشتري لنفسي كأسا من القهوة من عربة المشروبات ، والتي انتشرت بفضل صديقنا العم أبا دلامة والذي بدأها عند حديقة الجاحظ، واجلس على طرف الحاجز لكي أشاهد دمشق.

عشرات الساحات، مئات الشوارع، آلاف وآلاف من البيوت ، يسكنها ملايين الناس، لكل شخص من هؤلاء الأشخاص قصته، ولكل شخص من هؤلاء الأشخاص تأثيره على من حوله، تخيل شبكة فيها ملايين النقط وكل نقطة متصلة مع عشرة أو عشرين من النقط الأخرى، احتمالات لاحدود لها.

في هذا المنزل الذي يقع في الطابق الثاني من إحدى عمائر الجادة الثالثة من منطقة المهاجرين، كان طالب البكالوريا عمر ينتظر اتصالا من صديقه، يوم النتائج هو يوم الحسم، نتيجة تعب سنة كاملة، تتوقف على هذا الإتصال، تحلق الجميع حول جهاز الهاتف، وقد ساد الصمت أرجاء المنزل، جو مكهرب ومشحون، لا يقطع هذا الصمت الرهيب سوى صوت صفحات الجرائد التي يقلبها أبا زهير، والذي أراد أن يخفي قلقه بتظاهره بقراءة الجريدة.

رغم قلقها أيضاً، إلا أن أم زهير لم تستطع أن تخفي ابتسامتها وهي تنظر إلى أبي زهير والذي من المفروض أن يكون في هذا الوقت من اليوم في قهوة البرلمان، لكي يلعب الطاولة مع أصدقائه، ولكنه تحجج بأنه متعب من العمل وأنه يفضل أن يقرأ الجريدة في المنزل، لم تنطلِ تلك الحجة على أم زهير، والتي أدركت أن أبا زهير يرتعد من داخله خوفاً وهو ينتظر ذلك الإتصال ولكن رجولته لم تسمح له بإظهار ذلك، كانت أمنية حياته أن ينجح عمر في دخول كلية الطب والتي لم يستطع إبنه زهير أن يحقق له هذه الرغبة منذ عشر سنين حيث إكتفى بالحصول على مائتي درجة والتي كانت كافية لكي يسجل في كلية الهندسة الكهربائية، ولكنه كان سعيداً أيضاً بنجاح وتفوق زهير في تلك الكلية وعقد آماله على ابنه عمر لكي يحقق له ذلك الحلم.

كان زهير جالساً أيضا بجانب أخيه، كان شعوره متناقضاً وعصياً على التفسير، حيث أنه كان يود لعمر النجاح والتفوق، ولكن المنافسة الدائمة بينهما لكي يظهرا كالإبن المثالي أمام والدهما، كانت تجعله يتمنى أن لايحصل عمر على مجموع أكبر من مجموعه، لكنه كلما كان يفكر في هذه الفكرة كان يشيح برأسه محاولاً تبديدها.

من بين الجالسين أيضاً كانت هنادي الصغيرة ذات الأعوام الخمس، برغم أنها لاتفهم بالضبط مالذي يحدث، إلا أنها آثرت الجلوس بجانب أخيها عمر عندما أحست بأنه متضايق ، كانت تمسكه من يده وهي تنظر إلى لون وجهه الغريب والذي كان قد اقترب كثيرا من لون صلصة المعكرونة الحمراء التي تناولتها اليوم على الغداء.

كان صوت رنين الهاتف كافياً لكي يبان أبو زهير على حقيقته، حيث أنه هب على قدميه واقفاً وصرخ بإبنه عمر بأن يرد، لم يكن عمر بالتأكيد ينتظر والده لكي يعطيه هذا الأمر، وقبل أن يكمل أبو زهير صرخته كان عمر قد رفع السماعة ودون أن يتكلم كان يستمع لصديقه الذي كان يحاول الصراخ برقم المجموع، حيث أن الضوضاء الشديدة حوله لم تجعله قادراً على سماع صوت صديقه عمر.
رفع عمر قبضته إالى السماء، ومن ثم صنع بأصابعه إشارة النصر وصرخ ” 215″.

بدأت هنادي الصغيرة بالتصفيق، رغم أنها ستحتاج إلى أن تعيش لمدة إثني عشر عاماً آخر لكي تفهم معنى هذا الرقم، ولكن فرحة عمر كانت كافية لكي تعلم أن هذا الرقم يمثل شيئاً جيداً.
بعد أن قبل عمر يد والدته وعانق أخاه زهير والذي بدا على عكس ما كان ُيعتقد، أكثر الفرحين بنجاح أخيه، حمل عمر هنادي الصغيرة وقبلها، وتوجه إلى والده، وعندما أنهى تقبيل يد والده، نظر إليه وهو ينتظر ذلك السؤال والذي لم يتأخر أبو زهير في طرحه : ” بيطلعلك طب؟”.
عاد الصمت ليخيم على المنزل، كان زهير وعمر يعلمان جواب هذا السؤال ، إلا أن عمر أجاب ” الله كريم يابي، قول إنشالله”.

كم سيكون أبا زهير حزيناً عندما سيعلم بعد شهرين بأن عمر لن يستطيع في هذا الزمن ورغم هذا المجموع العالي والذي كان كافياً منذ عشر سنين لكي يحقق حلمه، بأنه لن يستطيع التسجيل إلا في كلية الإقتصاد، ورغم معارضة الجميع وحتى أبا زهير الذي أشفق على إبنه الذي سهر الليالي طوال سنة كاملة ، فإن عمر قرر أن يعيد التقدم لإمتحان البكالوريا رغبةً منه في تحقيق حلم والده.

أجول ببصري مرة أخرى بين شوارع دمشق، ما بين منطقة المزة إلى المالكي وأبو رمانة ومن ثم الشعلان وساحة عرنوس والمزرعة وبعدها المرجة وشارع الثورة والعدوي، ومن خلفهم جميعا تطل المهاجرين وبرزة، وفي كل بيت من هذه البيوت مئات القصص والحكايا والأخبار.
ألمح ذلك البيت الصغير في إحدى عمارات منطقة العدوي …. يبدو أنه ….

هاهو المؤذن يطلق نداؤه لصلاة الفجر ، هي ليلة أخرى لم أنم بها إذن، تعودت على ذلك، أبدأ ليلتي بتذكر أهلي وبلدي، ثم أبقى أعيش في وهم أحلام يقظتي حتى طلوع الفجر ، شعورك بأنك وحيد في هذا العالم هو شعور سيء ولا يقدر أن يحتمله أي شخص، أحاول النهوض لأداء الصلاة ولكن تصيبني كالعادة حالة مما يسمى بالجاثوم أو Incubus حيث أحس بعدم قدرتي على تحريك أطرافي، وتترافق بحالة من الفزع تجعلك تحس بأنك غير قادر على التنفس، أتلو الشهادتين في سري معتقداً بأن لحظتي قد أتت، وأحزن على مئات الأشياء التي كان بودي القيام بها، ولكن أسلم أمري إلى الله وأحمده على نعمة الإيمان ورضا الوالدين، فأحس بالدم يسري مجدداً في عروقي وأستعيد بعد لحظات قدرتي على التنفس …

أما عن ذلك البيت الصغير الذي كنت سأتحدث عنه … فتلك قصة أخرى … لأنه قد طلع الصباح … وسكت إيكار عن الكلام المباح.





أنا والكمبيوتر وهواك – 9

22 04 2009

paper-stack1

 

مرحباً ..

لم أكتب منذ فترةٍ طويلة في هذاه السلسلة، أعذاري جاهزة طبعاً، حيث أنني منذ أن انتقلت للعيش في الغربة أصبح مجال عملي هو مجال شهادتي الجامعية، أي الأرقام والحسابات والتدقيق، خف احتكاكي كثيراً مع مشاكل الأشخاص أنفسهم، ورغم ذلك استمريت في الدراسة والحصول على شهادات الكمبيوتر المنوعة ولكن كهواية لا أكثر ،و كنوع من التعبير عن الحزن ، حيث أنني بدأت أشعر بابتعادي عن صديقي الذي رافقني لعقدين من الزمن. 

لذا لم أكن أستطيع منع نفسي من التدخل عندما أشاهد أحد زملائي في مشكلة مع جهازه، وخاصة لوجود كمية كبيرة من الأجهزة مربوطة على شبكة كبيرة وموصولة بمخدم رئيسي وما يرافق ذلك من مشاكل خاصة بالملفات المشاركة والطابعات المشتركة وماإلى هنالك من المشاكل التي يعرفها ويعاني منها أي مسؤول عن الشبكات (وإسألوا رامي).

كانت لي عدة جولات من لعبة القط والفأر بيني وبين مدير قسم تقنية المعلومات والمسؤول عن حماية الشبكة، بالإضافة الى تخليص عدد من أصدقائي من العقوبات وذلك لعبثهم باعدادت أجهزتهم الخاصة بالشبكة ، حيث كنت أقوم بإصلاح أجهزتهم دون أن يضطروا إلى تسليمها إلى قسم الصيانة، ومايليه من تبعات تبدأ بالاستجواب عن غرض العبث بالجهاز وتنتهي غالباً بإنذار شفوي أو خطي، لذا فقد استعدت لقب ” حلال المشاكل” الذي كنت أملكه في وطني، وكان من الطبيعي أن أجد صديقي رمزي وهو أحد أعز أصدقائي من الأردن الشقيق ينتظرني على باب المكتب لدى عودتي من زيارة أحد العملاء.

25 \ 3 \ 2008

نحن الآن في ذروة موسم التدقيق المحاسبي، الطابعات التي تستخدم لطباعة الميزانيات والتقارير تعمل على أشدها، ومواعين الورق لا تفتأ تنفذ من مستودع القرطاسية، مكتبنا يتكون من طابقين، الطابق السفلي وهو لنا وهو يختص بالتدقيق المحاسبي، أما الطابق العلوي فهو خاص بالإستشارات المالية. غرفة الموظفين في الطابفين هي عبارة عن صالة كبيرة تحوي عدة مكاتب على شكل تقسيمات أو ما يعرف بـ Partitions وتقبع الطابعة الأساسية ذات السرعة الخيالية وسط القاعة .

كنت عائداً عصر ذلك اليوم من زيارة لأحد العملاء، حيث إستقبلني رمزي على الباب وأدخلني إلى غرفة المكتب، لأجد أحد أصدقائنا والذي لايعمل معنا في الشركة جالساً أمام جهاز الصالة الرئيسي والذي كانت الطابعة متصلة معه و كان هو متصلاً مع الشبكة ، أي أن الطابعة لم تكن موصولة مع الشبكة بشكل منفصل، وقد اعتدنا وبسبب كثرة مشاكل الشبكة في موسم الذروة أن نقوم بالطباعة عن طريق الجهاز الرئيسي دون أن نستخدم أجهزتنا المحمولة الخاصة بنا والتي تحتاج أن تكون متصلة بشكل صحيح مع الشبكة لكي نستطيع الطباعة، وذلك لكون الجهاز الرئيسي موصولا مع الطابعة مباشرة دون الحاجة لوجود الشبكة كي نستطيع الطباعة من خلاله.

بعد السلام والكلام، أخبرني رمزي أن صديقه قد قصده في خدمة، حيث أنه يريد طباعة أحد الكتب الخاصة به والتي كان قد حملها من الإنترنت ولكنه كان في عجلة من أمره ولم يكن يريد أن يتكلف كثيراً على الطباعة في مكتبة خارجية، فجاء إلى رمزي لكي يمرر له الكتاب من ضمن ما نطبعه و ” لا من شاف و لا من دري”.

أنا : أبو رميز ، ما بيصير هيك ، هي إسمها خيانة أمانة.

رمزي : أنوس شو مالك يا زلمة ؟ ول عليك ، كلهوم كتاب واحد 400 صفحة ؟ رح تفلس الشركة ؟ هينا بنكسب أجر مع هالمسكين.

(صديقنا المسكين دخله يتجاوز دخلي ودخل رمزي مجتمعين)

أنا : ما بعرف يا رمزي، يعني رح تحط حالك بمشاكل كتيرة ومالك مضطر، أديش رح يكلفوه برا ؟ برأيي ما في داعي.

(صديقنا المسكين ينظر إلي بإستياء، حيث أنني الشخص الشرير الذي يريد أن يجعله يخسر المال).

رمزي : خلص ، إنت ما عليك ، اذا انكشفت أنا رح أتحمل المسؤولية، بس تعال شفلي ليش الطابعة مش عم تطبع.

أنا : حلو والله ، يعني مو جايني مشان أعطيك رأيي، يعني طبعتها وخلصت، ولو مافي مشكلة بالطابعة كنت ما سألتني !!

رمزي: هو هووو علينا، خلص يازلمة آسفين ، بس تعال خلصني.

كانت نظرة واحدة إلى تطبيق الطابعات في لوحة التحكم كافياً لأعلم ما حصل، إحمر وجهي ثم إصفر وأنا أتخيل المصيبة التي ستنزل على رأس رمزي اليوم.

قمت بإجراء هاتف داخلي صغير من جهاز الهاتف الداخلي وسألت بعض الأسئلة، أغلقت السماعة بهدوء، نظرت برمزي وقلت له بكل هدوء …. ولي عليك !!!

ذعر رمزي ولم يعرف ماذا فعل ” ولك إيش مالك ؟ إيش فيه ؟ “

أنا : رمزي، كم مرة حاولت تطبع الكتاب ؟

رمزي : شو بيعرفني، جربت كذا مرة .

أنا : طب برأيي إنك تروح فوراً عند مدير الشركة وتقر وتعترف لحالك، قبل ما يجي التليفون.

للأسف وكأنني نحسته، رن جهاز الهاتف الخاص برمزي، وعندما رفع السماعة سمعنا رمزي يقول ” أيوا ، رمزي معك …. ، حاضر “.

طبعاً كان المتحدث هو مدير المكتب وقد طلبه للحضور فوراً إلى غرفة مكتبه.

رمزي : ” ولك شو صار ، بس فهمني عشان أعرف شو أحكي ؟”.

أنا ” الله يسامحك يا أبو رميز، ما بتعرف إنو بالموسم بنصير منستعمل الطابعة تبعنا وكمان الطابعة تبع الإستشارات مشان نلحق نطبع الـ Forms تبع فايلات التدقيق ؟

(يحتاج كل ملف من ملفات التدقيق المحاسبي إلى طباعة عدد من الوثائق والاستفسارات والجداول وخطط المراجعة تصل إلى 200 صفحة لكل ملف).

رمزي ” بعرف ، ليش شو دخل ؟”

أنا : مبارح ضلينا أنا وأسامة بالمكتب للساعة 12 بالليل بعد ما رحت حضرتك ، وبما إنو أنا كنت عم بطبع Forms لسبع فايلات على طابعتنا، اضطر أسامة يطبع أوراقو عن طريق الشبكة على طابعة الإستشارات، وشكلو الأفندي أسامة معدل الطابعة الإفتراضية تبع الجهاز ومخليها طابعة الإستشارات مشان ما كل مرة يغيرها لما بيعطي أمر طباعة.

رمزي ” طيب ؟ “

أنا : ” إي شو طيب، حضرتك صرت طابع سبع نسخ من الكتاب والأمر عم يروح لطابعة الإستشارات فوق، والشباب تبع الإستشارات مفكرين إنو هالأوراق خاصة بشغلنا و يا حرام صرلهون نص ساعة عم يعبوا ورق بالطابعة ، وبما إنو ممنوع حدا يطلع على أي ورقة عم تنطبع ازا مو هوه طابعها، فما حدا شاف شو الورق يلي عم ينطبع ، وصار في فوق 3000 ورقة مطبوع عليها سبع نسخ من كتاب صاحبك “.

رمزي ” …..”

أنا : ” ومو بس هبك ، الشباب نادوا لمدير القسم ولمدير قسم الصيانة بعد ما توقف شغلهون لأنو هنن كمان محتاجين الطابعة ، وبعد ما طولت شغلتك فكروا أنو الطابعة عطلانة، فإجا المدير واطلع على الورق لأنو بيحقلوا ، ولما شاف الكتاب اتصل على مدير المكتب وهي اتصل عليك ، ولك ما قلتلك إنو بلالك ياها “.

تصنعت بعدها الرعب وصرخت ” ولي !!! هي المدير جاية لهون !!!.

طبعاً صاحبنا صديق رمزي قفز من أربعته وغادر القاعة هارباً، لم أستطع منع نفسي من القهقهة على منظره، ولكنني ضحكت أكثر بكثير عندما علمت أن محتوى الكتاب كان عبارة عن كتاب للبرمجة اللغوية العصبية، يتحدث عن سبل النجاح والتفكير الإيجابي !!.

أظن أن رمزي إستفاد من الكتاب، فبعد أن حصل على إنذاره الكتابي والذي كان فضيحة كبرى حيث أن الإنذار قد تم تعليقه على لوحة الإعلانات في قسم الإستقبال، قام بالتفكير بإيجابية ووزع النسخ السبع علينا كي نستفيد منها ولكي نفكر بإيجابية أيضاً.





لسنا بحاجة لكم يا أبطال القصص الخيالية

14 04 2009

The city Guardian

-1-
نظر إاليه من نافذة شباك سيارته، حاول كثيرا أن يبتسم في وجهه، لكنه لم يبادله الإبتسامة.

لم يهتم لذلك كثيرا، كان يكتفي بمراقبته وهو يبيع ما يحمل من علب الكبريت، كان سعيدا وهو يرى النقود تزداد على البساط المفروش أمامه، تحسس ما في جيبه من نقود، وقرر النزول لكي يعطيه بعض المال.

” تحرك من هون يا ….. ” ، كان اسم ذلك الحيوان الصبور كافيا لكي يقف في مكانه، لم يجرؤ على الاقتراب بعد أن تجمع بعض الأشخاص المتشحين بالسواد أمام الشيخ بائع الكبريت ووقفوا خلف زميلهم الذي كان هو من أطلق تلك الشتيمة القاسية.

” ما بتعرف انو هون محل سيارة المعلم، لم غراضك وانقلع”.

لسبب ما لم يتحرك الشيخ، حاول أن يقول شيئا، لكنه لم يجد نفسه الا وهو ملقىً على الأرض وقد تناثرت أعواد الكبريت حوله، وبينما كان ” المعلم” ينزل من سيارته، حاول الشيخ أن يستجمع قوته لينهض، عندما مر بجانبه أحد المارة، أمسك بقدمه وقال له ” أرجوك يا بني، ساعدني على جمع أعواد الكبريت”
نظر له ذلك الشخص باستهزاء، سحب قدمه وقال ” شو شايفني عم بشتغل عندك ” ثم تابع مسيره.

هنا لم يعد صديقنا قادراً على التحمل، أسرع الخطى نحو الشيخ، انحنى نحوه وقال ” عطيني ايدك عمو، ناولني هالكيس تبع الكبريت مشان جمعلك الكبريت”.
أجاب الشيخ ” الله يرضى عليك يا ابني، يا ريت تجيبو انتيه، شوفة عينك أنا أعمى”.

اهتزت أركانه، لم يعد قادرا على الكلام، لم يكن ذلك الشيخ يضع ذلك المنظار الأسود على عينيه، لذلك لم يستطع أحد أن يعرف تلك الحقيقة، لعله لم يكن يملك نقودا لشراءه، أو ربما فضل أن ينفق ما كان سيدفعه على شراء المنظار، لكي يشتري طعاماً لأبنائه، كان هذا هو السبب الذي لم يجعله قادرا على التصرف بسرعة عندما أزاحه أولائك الأشخاص.

وجد للشيخ زاوية جديدة، فرش له البساط وأجلسه عليه، ناوله كيس الكبريت، وعاد الى سيارته.

-2-
نظر إليه وهو يجوب بين السيارات، لم يهتم كثيرا للشمس الحارقة التي كانت تصب جام غضبها على رؤوس الجميع، لم يكن هناك الكثير من المارة في هذا الوقت، حيث أن هذا الجو الصيفي الصحراوي كان كفيلا بتحويل الاسفلت الى فرن طبيعي قادر على طهي الحجر.

فكر بأن زحمة السير وحرارة الطقس ستساعده في بيع ما يملك من قوارير المياه المثلجة، وكان مستعدا أن يتحمل هذه النيران في الخارج، ويقضي فترة الظهيرة واقفا على قدميه، في مقابل توفير بعض المال، عندما اقترب ذلك الرجل من نافذة سيارة صديقنا، قام بانزالها وسأله عن ثمن القارورة.

” عملتان نقديتان”.

ياه ، ان الربح الذي سيجنيه من القارورة الواحدة لن يتعدى العملة النقدية الواحدة، نظر اليه وابتسم في وجهه، ذلك الشخص فضل أن يحصل على المال بهذه الطريقة على أن يستجدي الأموال على أبواب البيوت ودور العبادة.

نظر الشخص الى ورقة المائة عملة نقدية التي ناولها إياه، التفت الى صديقنا وقال له ” أرجو أن تعطيني عملة أصغر فأنا لا أملك صرفاً لكي أرد الباقي”.

” ومن قال لك أنني أريد الباقي ؟” ، أغلق نافذة سيارته وتحرك.

لم يبتعد كثيرا، فقد أوقف سيارته الى جانب الطريق لكي يتابع الشخص الذي بقي متسمرا في وسط الشارع، بعد عدة لحظات من الذهول، عاد ذلك الشخص، حمل كيس القوارير وهم بالمغادرة، إذن فقد اكتفى بما حصل عليه اليوم ولم يطمع في الزيادة، أراد صاحبنا التحرك ولكنه لم يستطع أن يحرك قدميه من وقع الصدمة، عندما رأى بائع القوارير وقد توجه الى سيدة عجوز تجلس على الطرف المقابل من الشارع، قام باعطاءها ورقة المائة النقدية، رفعت العجوز يديها الى السماء، ابتسم ذلك الشخص وعاد الى الشارع لكي يتابع بيع ما تبقى من قوارير الماء.

ابتسم صاحبنا وهو يحرك سيارته، رغم أن المائة عملة نقدية هي رقم لا يشكل شيئا لأي شخص عادي، إلا أنها كانت بالتأكيد تمثل شيئا لبائع القوارير، ولكنه آثر تلك العجوز على نفسه وعائلته، لأنه يعلم أنه بامكانه متابعة العمل بينما لا تقدر هي على الحركة.

-3-
نظر اليها وهي تقف على ناصية الطريق، استمر في مراقبتها لمدة عشرة دقائق كاملة، لم يكن ظاهرا على وجهها السبعيني أيه ملامح أو إشارات تدل على سبب انتظارها على هذه الناصية، فكر في ما قد حملته تلك السنين لها ، هل عاشت طفولة سعيدة ؟ هل تزوجت وأنجبت أطفالاً ؟ هل مازال أبناؤها يتذكرونها ويعملون على راحتها ؟.

كان واضحاً من الكيس المحمل بالخضروات أنها مازالت تعتمد على نفسها في احضار البقالة، كيف لأبنائها أن يتروكها في هذا السن دون أن يشعروا بتأنيب الضمير، كم سهرت هذه الأم وحرمت نفسها من أشياء كثيرة لتسعد أبنائها، كم عانت وقاست لكي تربي أولادها الذين لم يكونوا قادرين حتى على الحركة دون مساعدتها، وهاهي الآن وقد أصبحت في خريف عمرها تقف على ناصية الشارع بدون هدف، ودون أن ……

أدرك في لحظتها مالذي تريده هذه السيدة، خرج صديقنا من سيارته واتجه نحوها، توقف قليلا ثم اندفع بين سيل السيارات الذي لا يتوقف، أشاره بكلتا يديه راجياً من السائقين أن يتوقفوا ولو قليلا، كان يشير الى السيدة لكي يفهم السائقون ما يريد.

رغم تلقيه العديد من الشتائم من قبل بعض السائقين، إلا أنه حافظ على ابتسامته في وجه من شتموه ، نجح في النهاية بإيقاف رتل العربات، نظر الى السيدة وكانت قد بدأت بالتحرك عندما أدركت بأن الشارع أصبح خاليا، اتجه اليها محاولا أن يساعدها بحمل كيس الخضار.

” خليني احمل لك الكيس خالة”، ولكن السيدة التي لم تتفوه بأية كلمة حتى الآن تشبثت بالكيس وهي تتابع مسيرها، رفع يده عن الكيس وهو يبتسم، لم يلمها على قلة ثقتها بالناس، لأن ما رأته خلال عمرها الطويل كان كافيا بكل تأكيد لكي يفقدها الثقة بأي شخص غريب، حيث أن أولادها الذين هم من صلبها قد تخلوا عنها، تابعها بنظره حتى أكملت العبور، لم تنظر خلفها وتابعت طريقها نحو المجهول.

أومأ برأسه شاكراً لأصحاب السيارات التي توقفت، وفرح عندما رأى ابتسامة الرضى على وجوههم أيضاً.

-4-

نظر اليها وهو ترتدي تلك الخرق البالية التي بالكاد تكفي لكي تستر جسدها، رغم أنها تبدو من الخارج كطفلة في السابعة، الا أن ما رآه في وجهها من الألم والحزن كان كافيا ليدرك صعوبة هذه السنين التي مرت على هذه الطفلة.

كانت تستجدي الناس بالنقر على نوافذ سياراتهم، وهي تحاول بيع ما تحمل من قلائد رخيصة، ركن صديقنا سيارته على طرف الشارع واستمر بمراقبتها.

لم تحصل على أي مبلغ من المال خلال الساعة التي بقي يراقبها فيها، اقتربت سيارة فارهة من الإشارة وتوقفت منتظرة الثواني الخمسين لكي تمر.

ركضت الطفلة الى تلك السيارة، تمنى صديقنا لو يقوم الموجودون في تلك السيارة بإعطاءها شيئا لكي يجبروا خاطرها المكسور، لكن الطفلة توقفت في منتصف الطريق ، وتسمرت أعينها على النافذة الخلفية لتلك السيارة.

أدار صديقنا رأسه لكي يرى ما شاهدته الطفلة، لم يستطع كبح دموعه التي خرجت من تلقاء نفسها عندما شاهد طفلة أخرى من نفس عمر الطفلة الصغيرة تجلس في المقعد الخلفي، التقت عيناهما، كان هذا الحاجز الزجاجي الرقيق هو ما يفصل بينهما، ولكن على طرفي هذه النافذة كانت ألف قصة من قصص الجشع والطمع وظلم الانسان لأخيه الإنسان.

أدركت الصغيرة التي كانت داخل السيارة والتي كانت ترتدي أجمل الثياب وتحمل في يدها دميتها القطنية، بأن تلك الطفلة التي وقفت تنظر اليها لم تحظى بفرصة اللعب مع أصدقائها في باحة المدرسة، ولم تحتفل بعيد ميلادها وتحصل على قالب جميل من الحلوى يحمل إسمها، ولم تحصل على العيدية من والديها صبيحة يوم العيد.

رغم سنينها السبع، أدركت بأن تلك الطفلة التي تقف خارجاً بحاجة الى المساعدة، التفتت الى والدها الذي كان يدخن سيجارا ضخما، يكفي ثمنه وحده لإطعام عائلة من عشرة أشخاص، وشدته من كم قميصه طالبةً منه أن ينظر الى الطفلة الحزينة التي تقف خارجا، نظر إليها الأب الشجع، تحدث بكلمات لم تصل الى مسامع صديقنا، وغلى الغالب أنه كان يخبر طفلته بأن هؤلاء الشحاذين هم نصابون ومخادعون أو شيئاً من هذا، أطلق ضحكة عالية وانطلق بسيارته.

من الواضح أن طفلته لم تقتنع بالكلام، لأن ما رأته بعينها الصغيرتين لم يكن ليغيره أي شيء، تابعت الفتاتان النظر الى بعضهما حتى غابت السيارة عن الأنظار.
كانت تلك الثواني الخمسون من أطول الثواني التي عاشها صديقنا، شاهد الطفلة المشردة وقد عادت الى الرصيف واسندت ظهرها الى الجدار، كانت بالتأكيد تنتظر الإشارة حتى تعود الى اللون الأحمر ولكن الطفلة بقيت جالسة وقد أطرقت برأسها الى الأرض حتى بعد تغير لون الإشارة لخمس مرات.

فكر صديقنا قليلا، لم يشأ أن يناولها نقوداً لأن والدها الجشع سيأخذ تلك النقود بكل تأكيد لكي يشتري لنفسه شيئا دون أن يهتم بطفلته، خرج صديقنا من سيارته وتوجه الى أحد محل البقالة، أفرغ ما في جيبه من نقود وطلب من البائع أن يعطيه بقيمتها ما يعرفه الأطفال بـ” الأكلات الطيبة”.

وضع الكيس أمام الطفلة التي كانت ماتزال تنظر الى الأرض، رفعت رأسها لتجد الكيس أمامها، نظرت إليه ولم تعرف ماذا يريد، قال لها” هدول إلك حبيبتي”.
عاد إلى سيارته وبقي يتابع كالعادة ما سيحصل، كان متأكدا أن الفتاة ستمضي يومها وهي تستمع بهذه المأكولات والتي بكل تأكيد لم تتناول الكثير منها طوال سنين حياتها السبع.

وقفت على قدميها ونادت بعدة أسماء، وفجأة تجمع حولها العديد من الأطفال الصغار من أعمار مختلفة، فتحت الكيس وبدأت توزع على أصدقائها ما كان فيه، أبقت لنفسها كيسا من رقائق البطاطا المقلية وعلبة من العصير، جلست مع أصدقائها وقد تغيرت ملامح الحزن على وجهها الى فرح كبير، كان جميع الأطفال من حوالها يشكرونها بعد إنهاء وجبتهم ومن ثم يعودون لمواقعهم المختلفة.

لم تكن تلك الطفلة تملك شيئا في هذه الدنيا سوى هذا الكيس المليء بالمأكولات، ولكنها آثرت أن تشارك أصدقائها بثروتها الصغيرة، شتان بينك أيها الطفلة وبين ذلك الثري الجشع.

خاتمة :

نظر الى الشمس المشرقة، وقد صبغت السماء بلون الشروق المميز، كانت هذه اللحظة هي آخر عهده بهذا اليوم الجميل، حيث أن القبو الذي يعمل كمحاسب به لاتصله أشعة الشمس، عندما سيخرج مساءا سيكون الظلام قد خيم على المدينة الكبيرة.

أدرك أن عمله اليومي المتعب، لن يثنيه عن القيام بعمله الآخر الذي يمارسه دائما، أدرك أن عمله الآخر والذي لايدر عليه دخلا مادياً هو أهم بكثير من عمله كمحاسب، عمله الآخر لا يحتاج منه سوى الكثير من الشهامة، وهو العمل الذي تحتاجه المدينة، ولكن لا يمارسه الكثيرون، لم يكن ينتظر أن يأتي التغيير اليه، أراد أن يكون هو التغيير.

لسنا بحاجة الى الرجل الخارق أو الرجل الوطواط أو الرجل العنكبوت لكي تصبح حياتنا أفضل…

لسنا بحاجة اليكم يا أبطال القصص الخيالية …

نحن بحاجة اليك أيها الرجل الشهم.








Follow

Get every new post delivered to your Inbox.