
“إتصل بالسيد ناقل الخطابات وأسأله عن الخطاب، لقد تأخرنا”
توجه بالجملة السابقة إلى سائقه وأعاد النظر إلى المرآة.
أعرفكم بالسيد ” كاذب الكذبة” ، على مدى ثلاثة عقود كان السيد كاذب هو الشخص الوحيد الذي نجح في الحصول على ثقة مجلس الحكم الملكي لمملكة ” تعب ستان” لكي يقوم بإلقاء الخطابات الحساسة في المحافل الوطنية الكبيرة.
لم يكن الوصول إلى منصبه بالأمر السهل، فطوال عمره كان كاذب ينقل الأخبار السيئة بأسلوبه الخاص، بحيث يشعر متلقي الخبر المصيبة بوقع أخف للخبر، حيث أن كاذب قد تفنن في ابتداع الخطب الحماسية التي تهيئ للخبر المصيبة الذي سيتلقاه المستمع، فعندما كان في سن العاشرة فقط، شاهد جماعة أبي الغضب وقد كان من كبار المتنفذين في قريته قرية ” الجحيم “، تقوم بإغتيال مختار الضيعة الذي كان يقف دائما كالسد المنيع في وجه مشاريع أبي الغضب التوسعية والتي كانت ستضر بأهل القرية، فركض كاذب إلى القرية وأعلمهم بانتهاء حقبة الظلم المتمثلة في حكم المختار، وكيف سيقوم أبو الغضب ببناء القصور والعمارات في القرية ليحولها إلى عاصمة جديدة للمملكة، فهلل أهل القرية فرحين بخطاب كاذب الثوري وساروا خلفه في مسيرة تأييد إلى قصر أبي الغضب ليعينوه مختاراً جديداً.
يومها، أصبح كاذب قريباً جداً من أبي الغضب، والذي كان يرسله دائماً بخطابات جديدة إلى القرية، ينبأ فيها بتخفيض حصة كل مواطن من محصول قمحه إلى نسبة عشرية ، تقل في كل مرة يلقي فيها كاذب هذا الخطاب، تذكر يومها كيف أن أهالي القرية هللوا فرحاً عندما أعلمهم كاذب بتنقيص حصة كل فرد إلى عشر الحصة السابقة وذلك في مقابل أن يقوم أبو الغضب بببناء إستاد لكرة القدم داخل القرية، وقد أخبرهم كاذب يومها أن منتخب الأندلس بطل العالم ، سيلعب مباراة التدشين مع فريق القرية، فقامت الجماهير بحمل كاذب على أكتافها، وصرخت بأعلى صوتها والفرح والسعادة يملأ جنبات القرية ” كاذب ، كاذب، يعيش كاذب ، يعيش أبو الغضب”
إشتاق كاذب إلى قريته كثيراً، حيث أنه لم يزر القرية منذ أن طلبه مجلس الحكم الملكي منذ ثلاثين عاماً بعد خطبة الإستاد الشهيرة، ليكون المتحدث الرسمي بإسم المجلس، ألقى كاذب خلال تلك الأعوام المئات من الخطب الحساسة والتي تبعها فرض عدد من الرسوم والضرائب الضخمة، والتي كان الشعب يتلقاها بكل رحابة صدر بسبب وعود كاذب الخلبية، ولكن بالنسبة لكاذب فاليوم هو يوم مختلف عن بقية الأيام.
كان كاذب ينتظر الخطاب الذي سيلقيه اليوم ، والذي سيرسله السيد ” ناقل الخطابات ” إليه في سيارة خاصة، حيث أنه قد أعلمه بشكل مسبق بأن خطاب اليوم سيكون من العيار الثقيل وسيتسبب في دمار أهل القرية التي سيلقي فيها هذا الخطاب، ويجب عليه أن يتدرب جيداً على إيصاله بالشكل المناسب والذي اعتاده المجلس الملكي منه، كان كاذب يحب أن يلقي تلك الخطابات الثقيلة، لأن إبداعه يزداد كلما زاد حجم المصيبة التي سيزفها للشعب المسحوق، وتخيل خطاباً آخر كخطاب الإستاد، يزيد في شعبيته ويزيد من مكافآته التي سيتلقاها من المجلس بعد الخطاب.
رن هاتف كاذب النقال، كان المتحدث هو السائق الذي أخبره بوصول الخطاب، وأن عليهم التحرك فوراً لأن القرية بعيدة ، لم يهتم كاذب كثيرا على اعتبار أن الفرصة لم تسنح له للتدرب على الخطاب، أو معرفة إسم ومكان القرية التي سيذهب إليها ليدرس جغرافيتها بحيث يعرف إذا كان من الممكن بناء إستاد هناك !! ، فهو لم يشأ أن يحدث معه ذلك الموقف الذي باغته مرة من المرات حينما وعد سكان قرية الجبل الوعر والتي تقع على سفح الجبال المنحدرة ببناء إستاد لكرة القدم، رغم أن القرية كلها تقع على أرض وعرة مليئة بالمنحدرات والكتل الصخرية، ولاوجود لأي سطح مستوٍ فيها، ورغم ذلك هللت الجماهير له وحملته على الأكتاف وهي تنادي ” كاذب ، كاذب “.
في الطريق، أدرك كاذب بأنه مر من هنا سابقاً، بالتأكيد قد مر من هنا، لعله ألقى خطاباً في قرية هنا أو هناك ، ولكن شكوكه كلها زالت عندما قرأ اللوحة المكتوبة على مدخل القرية :
” الجحيم ترحب بكم”.
الآن أدرك لماذا كان هذا الطريق مألوفاً لديه، لقد ساقته الأقدار إلى أن يعود إلى قريته الأم، ويالسخرية القدر، فالخطاب الذي في يده سيكون سبباً في دمار أهله وأصحابه ، يالها من هدية يعود بها إليهم بعد غيابٍ إستمر ثلاثين عاماً.
كانت القرية بائسة كغيرها من قرى المملكة، شوارع قاحلة، أراضٍ زراعبة بائدة، وقد كان منظر الأهالي مزرياً بملابسهم المقطعة ومساكنهم المصنوعة من اللبن، من الواضح أن الضرائب العالية قد جعلت قريته في وضع مأساوي، وأصبح شبح الفقر والجوع يجول بحرية في أرجاء القرية، يدخل جميع البيوت دون إستثناء، ورغم ذلك فقد إستقبله أهل قريته بترحاب، وحملوه على أكتافهم وقادوه إلى المنصة الرئيسية والتي كانوا قد اضطروا إلى الإستغناء عن أبواب منازلهم الخشبية ليقوموا بصنعها.
بعد أن إتخذ كاذب مكانه على المنصة ، ووقف عشرات الآلاف من أهل قريته ينظرون إليه وينتظرون الأخبار السعيدة التي قد وعدهم بها، لمح كاذب لوحةً كتب عليها ” أهل الجحيم يرحبون بإبنهم البار كاذب، ويرجون من الله أن يوفقه لما فيه خير القرية وأهلها”.
حاول كاذب إخفاء دمعته التي بدأت بالتسلل من عينه، فتح الخطاب، قرأه في سره، ثم أغلق الخطاب ونظر إلى الجماهير وقال :
” يا أهالي قريتي، عدت إليكم أحمل الأمل والسعادة، لقد قرر المجلس رفع كافة أنواع الضرائب عنكم، وسنقوم بتطوير الأراضي الزراعية كلها، سنبدأ بشق الطرقات لتصل إلى القرية، وستكون أموالكم كلها ملكاً لكم، سيعم الرخاء على الجميع، وستتحسن أموركم، لقد ظلمناكم يا أهالي قرية الجحيم، ولكن التغيير سيبدأ اليوم، ومن اليوم أصبح إسم القرية هو قرية النعيم”.
كانت الفرحة لا تصدق، وقد بدأ الأهالي بالرقص والغناء بفرح، وقد أحسوا بصدق كلام إبن بلدهم، وكيف أن هذا الخطاب مختلف بالفعل عن الخطابات التي كانوا يسمعونها في التلفاز مسبقاً، ومن شدة فرحهم نسوا كل شيء عن كاذب، الذي كان قد ركب سيارته بهدوء وغادر القرية.
” هل أذهب إلى المنزل يا سيدي ؟” ، قال السائق الخاص لكاذب.
“بل إذهب إلى القبو مباشرة، لن أنتظرهم حتى يستدعوني إلى هناك”
كان القبو هو الرمز الخاص بالمكان الذي يجتمع فيه أعضاء المجلس الملكي، وهو المكان الذي انطلفت منه كافة مشاريع الضرائب التي سحقت أفراد الشعب، دخل كاذب إلى صالة المجلس والتي كانت مظلمة، ووقف خلف منصة الإستجواب، وعندها تم تسليط الضوء في وجهه بحيث لا يرى أعضاء مجلس الحكم الملكي.
” لماذا فعلت ذلك يا سيد كاذب ؟ “
قال كاذب ” أرجو أن تسمعني يا سيدي، عندما فتحت الخطاب ووجدت ما فيه، ونظرت بعدها إلى أفراد قريتي بلباسهم الممزق وحالتهم المزرية، لم أستطع أن أتلو هذا الخطاب عليهم، كيف تريدني أن أقول لهم أن يشدوا الأحزمة، وهم لا يملكون ثمن حزامٍ حتى ؟، كيف أخبرهم بأن يتركوا منازلهم الخاوية ليسكنوا في الخيام البالية التي سنزودهم بها لكي ندمر تلك المنازل ونمرر طريقاً خاصاً إلى قصر أحد أعضاء مجلسكم ؟ ، كيف سأخبرهم بأننا سنسلب أراضيهم الزراعية لصالحكم ، ثم سنجبرهم على العمل فيها دون مقابل ؟ أنت لم ترهم ياسيدي، لقد كانت نظرة البؤس والشحوب على وجوهم جميعاً، وقد كان هذا الخطاب كفيلاً بقتل ما تبقى لديهم من أمل، وعندها سيكون موتهم أفضل من حياتهم، لقد أعطيتهم جرعة من الأمل، عندما قمت بتحريف الخطاب.
” ومن قال لك يا غبي أننا نهتم لأمرهم ؟ ، فليموتوا أو يعيشوا، مالفرق ؟ من أعطاك الصلاحية لكي تعصي أوامرنا وتتصرف من عندك ؟”
قال كاذب ” أنتم وحوش يا سيدي، وأنا نادم على كل لحظة قضيتها في خدمتكم”.
مرت عشر سنوات كاملة على ذلك اليوم، ومازال كاذب قابعاً في سجنه ، إرتأى المجلس بأن زجه في سجن إنفرادي مدى الحياة سيكون عذابا أكبر بمئات المرات من إعدامه بتهمة عصيان أمر المجلس، خلال السنة التالية ليوم خطبته الأخيرة، أشيع في المملكة عن نبأ وفاة المتحدث الرسمي للمجلس السيد ” كاذب الكذبة ” بحادث أليم أثناء عودته من قرية الجحيم، وتم عمل نصب تذكاري له في إحدى الساحات، وتم دفن جثته المفترضة في أهم مدافن أشراف المملكة.
كانت الأيام تمر على كاذب وهو قابع في عتمة سجنه، وبسبب انعدام الضوء لعشر سنوات قضاها في تلك العتمة فقد فقد كاذب بصره ونحل جسمه حيث أن نصيبه اليومي من الطعام كان لا يزيد عن كسرة من الخبز وجرعة من الماء، عشر سنين مضت دون أي تغيير، يفتح الحارس الطاقة الصغيرة في أسفل الباب ويرمي بالخبز وعلبة الماء إلى حيث يقبع كاذب، ثم يعود في اليوم التالي ليكرر نفس العملية.
مد كاذب يده محاولا تحسس مكان الخبز، عندما اصطدمت يده بذلك الشيء، وقد كانت السنين العشر كافية لأن ينسى كاذب هذا الإحساس الذي سيطر على جسده عندما لمس ذلك الشيء، كان طرياً جداً وناعم الملمس، ولحسن حظه أنه لم يفقد حاسة الشم مثلما حدث مع بصره، فقام بشم ذلك الشيء وقد تأكد بعدها من أنها كانت بالفعل وردة ناعمة ذات رائحةِ زكية.
حتى بعد مضي عشر سنين، فقد تذكر رائحة الورد الجوري، ولو أنه مازال يملك بصره لكان قد نظر إلى لونها الأحمر القاني، تخيلها في مخيلته، واستجمع بعدها جزءا من قوته ونادى ” من هناك ؟”.
” سيد كاذب، أنا أحد أهالي قريتك، قرية الجحيم، لقد تم تعييني هنا منذ أسبوع، ولكني كنت أظن كما يظن كل الناس بأنك قد مت، ولم أصدق أنك مازلت حياً عندما أخبرني بقصتك الحارس السابق، الحمد لله أنك حي، هذه الوردة مني ومن أهالي قرية الجحيم، لقد زرع خطابك في نفسنا أملاً كنا بحاجة إليه، كان والدي على وشك الإنتحار قبل ذلك اليوم، ولكن خطابك قد أعاد الأمل إليه وإلينا جميعاً، لقد تسلحنا جميعاً بالصبر بعد ذلك اليوم، وقد أشعل خطابك فينا الحماس والعزيمة، لقد حزن أهل القرية جميعاً عندما علموا بوفاتك، ولكنهم تعاهدوا على العمل والصبر والتمسك ببريق الأمل الذي أعطيتنا إياه إكراماً لك، سأحرص منذ اليوم يا سيدي على إحضار الطعام الكثير لك، وسأحاول أن أخرجك من السجن كل يوم خلسة لكي ترى العالم الخارجي وتحرك جسمك، ستتغير الأمور يا سيدي، أعدك بذلك”.
أسند كاذب رأسه إلى حائط السجن، وهمس في قرارة نفسه ” لقد قمت إذاً بالعمل الصحيح”.
لم يرد كاذب لمدة يومين كاملين على نداء صديقه الحارس الجديد، وقد بدأ الحارس يحس بالقلق، لذا فقد استجمع شجاعته وقام بفتح الباب الذي بقي مغلقاً لعشر سنوات، وانهار باكياً عندما رأى جثة السيد كاذب ممدة على الأرض وهو يحتضن بكلتا يديه وردة ذابلة، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة لم يستطع أحد تفسيرها.



أحدث التعليقات