
“وبعدين ؟”
قالها وهو يحاول رفع رأسه المثقل بالهموم، فكر بطلب الكأس الثالثة، ولكنه تذكر أنه مازال بحاجة لبعض النقود لكي يعود الى منزل صديقه، لن تقبل أية سيارة أجرة أن تصل الى مكان سكن صديقه في هذه الساعة دون طلب عداد ونصف وربما عدادين.
لم يبقى له الكثير من الأصدقاء، حيث أنه أصبح في الثانية والثلاثين من عمره، دار في رأسه شريط حياته للسنوات الخمس الماضية، تذكر كيف ُطرد من المنزل، بعد أن أصبح عالة على والده المتقاعد، لم يكن والده يمتعض كثيرا عندما كان يعود في نهاية كل يوم ليخبره بأنه لم يجد عملا مرة أخرى، كان يذكر كيف بقي والده يحاول تشجيعه على المحاولة مرات ومرات، ولكنه كان يعرف في قرارة نفسه أن شهادة المعهد المتوسط التي يحملها لن تجد راغبين كثر في الوقت الذي عجز فيه الجامعييون عن الحصول على وظائف، أصبح الطلاب من حملة الشهادات العليا يقبلون بالعمل بالحد الأدنى من الرواتب، فكيف له أن يجد مكانا و آلاف العاطلين من شاكلته يجوبون الشوارع.
“ليتني لم أشرب كثيرا يومها” ، تذكر كيف عاد الى المنزل وهو يترنح من فرط الشراب، لم يذكر ما حصل يومها، ولكنه تذكر منظر والده وهو يدخل الغرفة بينما كان يحاول سرفة المزيد من النقود، يذكر وقتها أن والده تحدث عن ” خيبة الأمل ” و ” قلة التربية” أو شيء من هذا القبيل، ولكن ما كان يدركه أن العودة للمنزل أصبحت صعبة بعد ذلك اليوم.
بعدها أصبح يقضي أيامه متنقلا بين منازل أصدقاءه من العازبين، وبدأ عددهم يقل تدريجيا حيث أنهم تزوجوا و استقرت أمورهم، تمنى لو أنه كان قادرا على الزواج، لم يكن قادرا حتى على التعرف على الفتيات لأنه لم يكن يملك نقودا ليصرفها عليهم.
” لا بالحلال ولا بالحرام” ، قالها وهو يضحك في قرارة نفسه، كان معروفا في الحانة بلقب ” المفلس” ، عندما كانت تقترب منه أحد الفتيات، كان يعطيها إشارة من نوع ” ما معي مصاري نزلك مشروب” فكانت تبتعد عنه وهي تضحك، ولكنه لم يكن يستطيع العيش بدون الحانة وما تقدمه من الكحول.
” عيناكي و تبغي وكحولي” يدندن وهو يعلم أن لن يطال عينيها أبدا، أما التبغ والكحول فكان من الممكن الحصول عليهما حيث أنه كان يكتفي بأرخص الأنواع.
أطرق برأسه الثقيل وهو يحاول الوصول الى الطريق العام لكي يجد من يقله الى منزل صديقه، ” لم يبقى لي غيره” كان غالبا ما ينهي صداقته مع أي صديق بأن يستدين منه مبلغا من المال ثم يختفي بعد ذلك، و كان يعلم أن أحدا لن يطالبه بما استدان لأنهم كانوا سعداء بالتخلص منه أكثر من حزنهم على أموالهم التي لن تسترد.
أفاق صباحا على رنين الهاتف، لم يذكر كيف وصل الى منزل صديقه، ومن فتح له الباب وكيف أصبح في فراشه، استمر الرنين طويلا، ومن الواضح أن المتصل كان مصرا على التحدث مع من في المنزل.
نظر الى الساعة، كانت الحادية عشر صباحا، اذن فصديقه قد خرج الى عمله بالتأكيد و لايوجد غيره في المنزل، نهض في تثاقل ورفع السماعة.
” ألو” ، أتاه صوت رخيم من الطرف المقابل ” مرحبا، معك شركة (…) للخدمات العامة” ، كان اسم الشركة معروفا جدا لديه، فقد حاول عدة مرات أن يعمل لديهم بسبب سمعتهم الجيدة ورواتبهم المغرية والحوافز التي تقدم لموظفيهم ولكن طلبه كان دائما يقابل بالرفض لنقص المؤهلات.
” ممكن أحكي مع الأستاذ (…) ؟”
لم يصدق أن الشخص قد نطق اسمه ، ” معك” أجاب وقد استعاد تركيزه.
” أستاذي، نحنا حابين انو نقابلك في مقر الشركة ، اطلعنا على سيرتك الذاتية و حابين انك تكون عضو بالفريق التسويقي الخاص بالشركة، متل ما بتعرف رواتبنا ممتازة وأكيد رح تستفيد ماديا ومعنويا من وجودك معنا، ممكن تتفضل على مقر الشركة اليوم الساعة السادسة مساءا و تسأل عن الأستاذ (…) ؟”
تذكر كيف كان صديقه يعرض عليه دائما أن يكتب له سيرته الذاتية ويرسلها له باستخدام البريد الالكتروني، كان صديقه ماهرا جدا في صياغة هذه السير بحيث لم يصدق أن السيرة التي أعدها له مرة من المرات كانت له هو نفسه .
“الساعة ستة بالضبط بتلاقيني عنك “
استغرق الأمر خمس دقائق كاملة وعدد من القرصات المؤلمة ليتأكد بأنه لم يكن يحلم، اندفع بسرعة الى غرفة صديقه، لم يكن بوعيه، أخرج جميع ما وجده من نقود في خزانة صديقه، ولكنه الآن لم يعد بحاجة الى الهرب، أحضر ورقة وكتب عليها ” صديقي العزيز، أعذرني على فعلتي هذه، أمامي وقت قصير للتجهيز لوظيفة العمر التي أنتظرها، أحتاج الى شراء بدلة جديدة وقميص وربطة عنق، عندما أعود مساءا سأكتب لك سندا بالمبلغ، هي فرصتي الوحيدة الآن ولن أضيعها”.
خرج كالملسوع من المنزل، توجه الى مركز التسوق واختار محلا مشهورا بتصاميمه الراقية وخاماته المميزة، لم يهتم كثيرا بمفاصلة البائع على السعر، كان يعلم أن عمله الجديد سيمكنه من شراء خمس بدلات من هذه الشاكلة خلال شهر واحد فقط.
” سأمر على أبي بعد التعيين، سأطلب منه أن يعفُ عني، سأقوم من الآن فصاعدا بمساعدته بمصروف إخوتي، سأشتري لهم كل ما يريدونه، لا لا لا ، عليهم أن لا يطلبوا كل شيء دفعة واحدة، سأبدأ بتوفير بعض المال من أجل الزواج، سأجد بنت الحلال ويدا بيد سأقوم ببناء بيتي، الشركة معروف عنها بأنها تقدم قروضا للراغبين في الزواج، سأحصل على منزل في الضاحية، سيكون صغيرا ولكنه سيجمعني مع حبيبتي تحت سقف واحد ، سيكون عشنا الصغير الجميل، لن ننجب أطفالا كثر ، سأكتفي بطفلة صغيرة، سأسميها ليلى، على اسم والدتي رحمها الله، سأحرص على أن تتلقى تعليمها في أفضل المدارس، سأترك الشرب والسهر و التدخين منذ اليوم، سأمتنع عن الأكل وحتى التنفس إن كان هذا سيساعد في تربية ليلى الصغيرة أفضل تربية ، سـ …..”
أوقف سيل أفكاره صوت صرير المكابح، ناول السائق النقود وخرج دون أن ينتظر الباقي، نظر الى الشركة الكبيرة والبوابة الضخمة، ابتسم وهو ينظر الى تلك البوابة ، وتخيلها كبوابة الزمن، حيث أنه سينتقل الى عالم آخر بعد دخولها.
” ممكن قابل السيد (…)؟”
قالها بكل هدوء وهو ينظر الى تلك السكرتيرة الرقيقة. فكر في قرارة نفسه ” عندما نصبح زملاء في شركة واحدة سأحاول التعرف عليها، لعلها تكون قدري”.
دون أن ترفع رأسها أجابت ” ما عنا حدا بهالاسم”.
بقي متسمرا في مكانه ، ” السيد (…) بيشتغل مدير الموارد البشرية بالشركة وعندي معو اليوم مقابلة”.
أعادت بلهجة روتينية ” قلتلك يا أستاذ انو ما في حدا بهالاسم”.
عندها ربت أحدهم على كتفه ، استدار فوجد ثلاثة من أصدقاءه القدامى، وقبل أن يبدأ بالكلام ، صاح أحدهم ” ولك تعبش وتاكل غيرها يا رجل ، كل عام وانت بخير اليوم واحد نيسان “
قال الثاني ” ولك يحرء حريشك على هالبدلة يلي لابسها، طالع بني آدم يا ضرسان”
قال الثالث وقد أرهقته “خواصره” من شدة الضحك ” هادا أحلى مقلب منعملو من زماااان، تعيش وتاكل غيرها”.
خرج من المبنى دون أن ينبس ببنت شفة، كانت صورة ليلى الصغيرة في خياله لا تفارقه ، تذكر والده و أخوته وزوجته المفترضة، كانوا جميعا ينظرون اليه وهم يضحكون على خيبته، ولكن ليلى لم تكن تضحك ، كانت تنظر اليه وقد ملأ الدمع عينيها الصغيرتين.
نظر الى المدينة وقد لفتها العتمة، كان يعرف أن باب سطح هذا المبنى لا يحوي قفلا، كان قد اعتاد المجيء الى هنا كلما كان بحاجة الى أن يفكر بعمق، تسلق الجدار المنخفض الذي يحد السطح، نظر الى طيف ليلى، كانت دموعها قد تحولت الى ابتسامة الآن، لم يعد يستطيع العودة الى حياته السابقة بعدما أصبحت ليلى جزءا من مستقبله الذي لن يأتي، أحس بالهواء البارد يلفح خده وهو يقترب من الأرض شيئا فشيئا، كانت لحظة ألم خاطفة، لم يعد يحس بشيء بعدها، وبينما كان الناس يتجمعون حول جثته الهامدة، عانقت روحه روح طفلته ليلى، أمسك بيدها وصعدا معا الى السماء.
(من وحي كذبة نيسان المنسية).

يالله ..
هالقصة بتاخد الواحد لعالم تاني ..
أسلوبك كتير رايق بالكتابة القصصية.. وهي مالها كذبة نيسان
تحية
سووس .. رأيك دائما بيهمني …
شكرا كتير لمرورك … ما بتصدقي اديش بنبسط لما بشوف تعليقك على التدوينات.
رائعة أخي أنس .. و أسلوب مبدع
استمتعت بقراءتها ..
على الهامش : كم أكرهها كذبة نيسان
تحياتي
شكرا على متابعتك المستمرة أخي صالح .. بس المشكلة انو عندي هون ماحدا بيتعامل بكذبة نيسان .. مشان هيك حسيت انو منسية ..
تحياتي