
-1-
نظر إاليه من نافذة شباك سيارته، حاول كثيرا أن يبتسم في وجهه، لكنه لم يبادله الإبتسامة.
لم يهتم لذلك كثيرا، كان يكتفي بمراقبته وهو يبيع ما يحمل من علب الكبريت، كان سعيدا وهو يرى النقود تزداد على البساط المفروش أمامه، تحسس ما في جيبه من نقود، وقرر النزول لكي يعطيه بعض المال.
” تحرك من هون يا ….. ” ، كان اسم ذلك الحيوان الصبور كافيا لكي يقف في مكانه، لم يجرؤ على الاقتراب بعد أن تجمع بعض الأشخاص المتشحين بالسواد أمام الشيخ بائع الكبريت ووقفوا خلف زميلهم الذي كان هو من أطلق تلك الشتيمة القاسية.
” ما بتعرف انو هون محل سيارة المعلم، لم غراضك وانقلع”.
لسبب ما لم يتحرك الشيخ، حاول أن يقول شيئا، لكنه لم يجد نفسه الا وهو ملقىً على الأرض وقد تناثرت أعواد الكبريت حوله، وبينما كان ” المعلم” ينزل من سيارته، حاول الشيخ أن يستجمع قوته لينهض، عندما مر بجانبه أحد المارة، أمسك بقدمه وقال له ” أرجوك يا بني، ساعدني على جمع أعواد الكبريت”
نظر له ذلك الشخص باستهزاء، سحب قدمه وقال ” شو شايفني عم بشتغل عندك ” ثم تابع مسيره.
هنا لم يعد صديقنا قادراً على التحمل، أسرع الخطى نحو الشيخ، انحنى نحوه وقال ” عطيني ايدك عمو، ناولني هالكيس تبع الكبريت مشان جمعلك الكبريت”.
أجاب الشيخ ” الله يرضى عليك يا ابني، يا ريت تجيبو انتيه، شوفة عينك أنا أعمى”.
اهتزت أركانه، لم يعد قادرا على الكلام، لم يكن ذلك الشيخ يضع ذلك المنظار الأسود على عينيه، لذلك لم يستطع أحد أن يعرف تلك الحقيقة، لعله لم يكن يملك نقودا لشراءه، أو ربما فضل أن ينفق ما كان سيدفعه على شراء المنظار، لكي يشتري طعاماً لأبنائه، كان هذا هو السبب الذي لم يجعله قادرا على التصرف بسرعة عندما أزاحه أولائك الأشخاص.
وجد للشيخ زاوية جديدة، فرش له البساط وأجلسه عليه، ناوله كيس الكبريت، وعاد الى سيارته.
-2-
نظر إليه وهو يجوب بين السيارات، لم يهتم كثيرا للشمس الحارقة التي كانت تصب جام غضبها على رؤوس الجميع، لم يكن هناك الكثير من المارة في هذا الوقت، حيث أن هذا الجو الصيفي الصحراوي كان كفيلا بتحويل الاسفلت الى فرن طبيعي قادر على طهي الحجر.
فكر بأن زحمة السير وحرارة الطقس ستساعده في بيع ما يملك من قوارير المياه المثلجة، وكان مستعدا أن يتحمل هذه النيران في الخارج، ويقضي فترة الظهيرة واقفا على قدميه، في مقابل توفير بعض المال، عندما اقترب ذلك الرجل من نافذة سيارة صديقنا، قام بانزالها وسأله عن ثمن القارورة.
” عملتان نقديتان”.
ياه ، ان الربح الذي سيجنيه من القارورة الواحدة لن يتعدى العملة النقدية الواحدة، نظر اليه وابتسم في وجهه، ذلك الشخص فضل أن يحصل على المال بهذه الطريقة على أن يستجدي الأموال على أبواب البيوت ودور العبادة.
نظر الشخص الى ورقة المائة عملة نقدية التي ناولها إياه، التفت الى صديقنا وقال له ” أرجو أن تعطيني عملة أصغر فأنا لا أملك صرفاً لكي أرد الباقي”.
” ومن قال لك أنني أريد الباقي ؟” ، أغلق نافذة سيارته وتحرك.
لم يبتعد كثيرا، فقد أوقف سيارته الى جانب الطريق لكي يتابع الشخص الذي بقي متسمرا في وسط الشارع، بعد عدة لحظات من الذهول، عاد ذلك الشخص، حمل كيس القوارير وهم بالمغادرة، إذن فقد اكتفى بما حصل عليه اليوم ولم يطمع في الزيادة، أراد صاحبنا التحرك ولكنه لم يستطع أن يحرك قدميه من وقع الصدمة، عندما رأى بائع القوارير وقد توجه الى سيدة عجوز تجلس على الطرف المقابل من الشارع، قام باعطاءها ورقة المائة النقدية، رفعت العجوز يديها الى السماء، ابتسم ذلك الشخص وعاد الى الشارع لكي يتابع بيع ما تبقى من قوارير الماء.
ابتسم صاحبنا وهو يحرك سيارته، رغم أن المائة عملة نقدية هي رقم لا يشكل شيئا لأي شخص عادي، إلا أنها كانت بالتأكيد تمثل شيئا لبائع القوارير، ولكنه آثر تلك العجوز على نفسه وعائلته، لأنه يعلم أنه بامكانه متابعة العمل بينما لا تقدر هي على الحركة.
-3-
نظر اليها وهي تقف على ناصية الطريق، استمر في مراقبتها لمدة عشرة دقائق كاملة، لم يكن ظاهرا على وجهها السبعيني أيه ملامح أو إشارات تدل على سبب انتظارها على هذه الناصية، فكر في ما قد حملته تلك السنين لها ، هل عاشت طفولة سعيدة ؟ هل تزوجت وأنجبت أطفالاً ؟ هل مازال أبناؤها يتذكرونها ويعملون على راحتها ؟.
كان واضحاً من الكيس المحمل بالخضروات أنها مازالت تعتمد على نفسها في احضار البقالة، كيف لأبنائها أن يتروكها في هذا السن دون أن يشعروا بتأنيب الضمير، كم سهرت هذه الأم وحرمت نفسها من أشياء كثيرة لتسعد أبنائها، كم عانت وقاست لكي تربي أولادها الذين لم يكونوا قادرين حتى على الحركة دون مساعدتها، وهاهي الآن وقد أصبحت في خريف عمرها تقف على ناصية الشارع بدون هدف، ودون أن ……
أدرك في لحظتها مالذي تريده هذه السيدة، خرج صديقنا من سيارته واتجه نحوها، توقف قليلا ثم اندفع بين سيل السيارات الذي لا يتوقف، أشاره بكلتا يديه راجياً من السائقين أن يتوقفوا ولو قليلا، كان يشير الى السيدة لكي يفهم السائقون ما يريد.
رغم تلقيه العديد من الشتائم من قبل بعض السائقين، إلا أنه حافظ على ابتسامته في وجه من شتموه ، نجح في النهاية بإيقاف رتل العربات، نظر الى السيدة وكانت قد بدأت بالتحرك عندما أدركت بأن الشارع أصبح خاليا، اتجه اليها محاولا أن يساعدها بحمل كيس الخضار.
” خليني احمل لك الكيس خالة”، ولكن السيدة التي لم تتفوه بأية كلمة حتى الآن تشبثت بالكيس وهي تتابع مسيرها، رفع يده عن الكيس وهو يبتسم، لم يلمها على قلة ثقتها بالناس، لأن ما رأته خلال عمرها الطويل كان كافيا بكل تأكيد لكي يفقدها الثقة بأي شخص غريب، حيث أن أولادها الذين هم من صلبها قد تخلوا عنها، تابعها بنظره حتى أكملت العبور، لم تنظر خلفها وتابعت طريقها نحو المجهول.
أومأ برأسه شاكراً لأصحاب السيارات التي توقفت، وفرح عندما رأى ابتسامة الرضى على وجوههم أيضاً.
-4-
نظر اليها وهو ترتدي تلك الخرق البالية التي بالكاد تكفي لكي تستر جسدها، رغم أنها تبدو من الخارج كطفلة في السابعة، الا أن ما رآه في وجهها من الألم والحزن كان كافيا ليدرك صعوبة هذه السنين التي مرت على هذه الطفلة.
كانت تستجدي الناس بالنقر على نوافذ سياراتهم، وهي تحاول بيع ما تحمل من قلائد رخيصة، ركن صديقنا سيارته على طرف الشارع واستمر بمراقبتها.
لم تحصل على أي مبلغ من المال خلال الساعة التي بقي يراقبها فيها، اقتربت سيارة فارهة من الإشارة وتوقفت منتظرة الثواني الخمسين لكي تمر.
ركضت الطفلة الى تلك السيارة، تمنى صديقنا لو يقوم الموجودون في تلك السيارة بإعطاءها شيئا لكي يجبروا خاطرها المكسور، لكن الطفلة توقفت في منتصف الطريق ، وتسمرت أعينها على النافذة الخلفية لتلك السيارة.
أدار صديقنا رأسه لكي يرى ما شاهدته الطفلة، لم يستطع كبح دموعه التي خرجت من تلقاء نفسها عندما شاهد طفلة أخرى من نفس عمر الطفلة الصغيرة تجلس في المقعد الخلفي، التقت عيناهما، كان هذا الحاجز الزجاجي الرقيق هو ما يفصل بينهما، ولكن على طرفي هذه النافذة كانت ألف قصة من قصص الجشع والطمع وظلم الانسان لأخيه الإنسان.
أدركت الصغيرة التي كانت داخل السيارة والتي كانت ترتدي أجمل الثياب وتحمل في يدها دميتها القطنية، بأن تلك الطفلة التي وقفت تنظر اليها لم تحظى بفرصة اللعب مع أصدقائها في باحة المدرسة، ولم تحتفل بعيد ميلادها وتحصل على قالب جميل من الحلوى يحمل إسمها، ولم تحصل على العيدية من والديها صبيحة يوم العيد.
رغم سنينها السبع، أدركت بأن تلك الطفلة التي تقف خارجاً بحاجة الى المساعدة، التفتت الى والدها الذي كان يدخن سيجارا ضخما، يكفي ثمنه وحده لإطعام عائلة من عشرة أشخاص، وشدته من كم قميصه طالبةً منه أن ينظر الى الطفلة الحزينة التي تقف خارجا، نظر إليها الأب الشجع، تحدث بكلمات لم تصل الى مسامع صديقنا، وغلى الغالب أنه كان يخبر طفلته بأن هؤلاء الشحاذين هم نصابون ومخادعون أو شيئاً من هذا، أطلق ضحكة عالية وانطلق بسيارته.
من الواضح أن طفلته لم تقتنع بالكلام، لأن ما رأته بعينها الصغيرتين لم يكن ليغيره أي شيء، تابعت الفتاتان النظر الى بعضهما حتى غابت السيارة عن الأنظار.
كانت تلك الثواني الخمسون من أطول الثواني التي عاشها صديقنا، شاهد الطفلة المشردة وقد عادت الى الرصيف واسندت ظهرها الى الجدار، كانت بالتأكيد تنتظر الإشارة حتى تعود الى اللون الأحمر ولكن الطفلة بقيت جالسة وقد أطرقت برأسها الى الأرض حتى بعد تغير لون الإشارة لخمس مرات.
فكر صديقنا قليلا، لم يشأ أن يناولها نقوداً لأن والدها الجشع سيأخذ تلك النقود بكل تأكيد لكي يشتري لنفسه شيئا دون أن يهتم بطفلته، خرج صديقنا من سيارته وتوجه الى أحد محل البقالة، أفرغ ما في جيبه من نقود وطلب من البائع أن يعطيه بقيمتها ما يعرفه الأطفال بـ” الأكلات الطيبة”.
وضع الكيس أمام الطفلة التي كانت ماتزال تنظر الى الأرض، رفعت رأسها لتجد الكيس أمامها، نظرت إليه ولم تعرف ماذا يريد، قال لها” هدول إلك حبيبتي”.
عاد إلى سيارته وبقي يتابع كالعادة ما سيحصل، كان متأكدا أن الفتاة ستمضي يومها وهي تستمع بهذه المأكولات والتي بكل تأكيد لم تتناول الكثير منها طوال سنين حياتها السبع.
وقفت على قدميها ونادت بعدة أسماء، وفجأة تجمع حولها العديد من الأطفال الصغار من أعمار مختلفة، فتحت الكيس وبدأت توزع على أصدقائها ما كان فيه، أبقت لنفسها كيسا من رقائق البطاطا المقلية وعلبة من العصير، جلست مع أصدقائها وقد تغيرت ملامح الحزن على وجهها الى فرح كبير، كان جميع الأطفال من حوالها يشكرونها بعد إنهاء وجبتهم ومن ثم يعودون لمواقعهم المختلفة.
لم تكن تلك الطفلة تملك شيئا في هذه الدنيا سوى هذا الكيس المليء بالمأكولات، ولكنها آثرت أن تشارك أصدقائها بثروتها الصغيرة، شتان بينك أيها الطفلة وبين ذلك الثري الجشع.
خاتمة :
نظر الى الشمس المشرقة، وقد صبغت السماء بلون الشروق المميز، كانت هذه اللحظة هي آخر عهده بهذا اليوم الجميل، حيث أن القبو الذي يعمل كمحاسب به لاتصله أشعة الشمس، عندما سيخرج مساءا سيكون الظلام قد خيم على المدينة الكبيرة.
أدرك أن عمله اليومي المتعب، لن يثنيه عن القيام بعمله الآخر الذي يمارسه دائما، أدرك أن عمله الآخر والذي لايدر عليه دخلا مادياً هو أهم بكثير من عمله كمحاسب، عمله الآخر لا يحتاج منه سوى الكثير من الشهامة، وهو العمل الذي تحتاجه المدينة، ولكن لا يمارسه الكثيرون، لم يكن ينتظر أن يأتي التغيير اليه، أراد أن يكون هو التغيير.
لسنا بحاجة الى الرجل الخارق أو الرجل الوطواط أو الرجل العنكبوت لكي تصبح حياتنا أفضل…
لسنا بحاجة اليكم يا أبطال القصص الخيالية …
نحن بحاجة اليك أيها الرجل الشهم.

تحياتي
نحن بحاجة للأخلاق في مجتمع تطور ماديا فقط و سرعان ما سوف ينتهي هذا التطور بسبب غياب الاخلاق التي تحكم هذا التطور , كل حروب عصرنا سببها انعدام الاخلاق .
نحن بحاجة للشهامة و الصدق و الامانة و الكرم و الشجاعة لقول الحق .
مقالة مميزة .
تحياتي
معك حق يا صديقي اين ذلك الرجل الشهم
ويوجد الملايين منهم… ولكن للاسف مقتلون النية
في هذا الزمان……………
عنجد انت بكتني وقت قرأت المقال
مع اني لقيت شوية صعوبة لافهم اسلوبك بالبداية
بس تشكر على هل مجهود الرائع يعني عنجد هي مقالة الواحد بيقراها بيتأثر وبيستفبد مع انه كان مبالي رح تحكي عن نور ومهند مابعرف ليه خطرلي هيك وقت قرات العنوان بس شكرا
شكرا على تعقيبك لورد … لو بدأ كل شخص بنفسه فسيحدث التغيير في زمن قياسي .
أشكر لك المشاركة أخي اللجي.
أعتذر ميما عن بعض الغموض في الكتابة ، ولكنني أحب هذا الأسلوب ، وهو سمة لكتاباتي التي ستجدينها في هذه المدونة. شكرا لمتابعتك.
قرأت مقالتك في موقع شبابلك وكالعادة أسرتني
أحب أسلوبك القريب جدا منا
لم أستطع التعليق لصعوبات تقنية أواجها لتسجيل دخولي في شبابلك
لذلك أحببت ان أهنئك هنا
شكرا مجددا أنس
شكرا لمتابعتك فريزة … إن كنت بحاجة لمراسلة أي مشرف لحل المشكلة الفنية فسأكون سعيدا بمساعدتك ، افتقدت كتاباتك في شبابلك ، ولكنني سعيد بوجود مدونة لك والتي سأتشرف بإضافتها إلى مدوناتي المفضلة.