كنت قد كتبت هنا تدوينة عن إحدى المرات التي كان من المفترض أن أجلس فيها على جبل قاسيون وكيف كنت بدي شوف بلدي ولكنني لم أستطع.
اليوم وبينما أنا مستلقٍ في فراشي لم أستطع منع نفسي من تذكر تلك اللحظات الجميلة التي كنت أقضيها هناك، ولكي أتجنب زحام المساء، كنت أصعد إالى هناك قبيل الغروب وفي يوم دوام عادي، لكي أستطيع الجلوس في هدوء وسكينة، كنت أشتري لنفسي كأسا من القهوة من عربة المشروبات ، والتي انتشرت بفضل صديقنا العم أبا دلامة والذي بدأها عند حديقة الجاحظ، واجلس على طرف الحاجز لكي أشاهد دمشق.
عشرات الساحات، مئات الشوارع، آلاف وآلاف من البيوت ، يسكنها ملايين الناس، لكل شخص من هؤلاء الأشخاص قصته، ولكل شخص من هؤلاء الأشخاص تأثيره على من حوله، تخيل شبكة فيها ملايين النقط وكل نقطة متصلة مع عشرة أو عشرين من النقط الأخرى، احتمالات لاحدود لها.
في هذا المنزل الذي يقع في الطابق الثاني من إحدى عمائر الجادة الثالثة من منطقة المهاجرين، كان طالب البكالوريا عمر ينتظر اتصالا من صديقه، يوم النتائج هو يوم الحسم، نتيجة تعب سنة كاملة، تتوقف على هذا الإتصال، تحلق الجميع حول جهاز الهاتف، وقد ساد الصمت أرجاء المنزل، جو مكهرب ومشحون، لا يقطع هذا الصمت الرهيب سوى صوت صفحات الجرائد التي يقلبها أبا زهير، والذي أراد أن يخفي قلقه بتظاهره بقراءة الجريدة.
رغم قلقها أيضاً، إلا أن أم زهير لم تستطع أن تخفي ابتسامتها وهي تنظر إلى أبي زهير والذي من المفروض أن يكون في هذا الوقت من اليوم في قهوة البرلمان، لكي يلعب الطاولة مع أصدقائه، ولكنه تحجج بأنه متعب من العمل وأنه يفضل أن يقرأ الجريدة في المنزل، لم تنطلِ تلك الحجة على أم زهير، والتي أدركت أن أبا زهير يرتعد من داخله خوفاً وهو ينتظر ذلك الإتصال ولكن رجولته لم تسمح له بإظهار ذلك، كانت أمنية حياته أن ينجح عمر في دخول كلية الطب والتي لم يستطع إبنه زهير أن يحقق له هذه الرغبة منذ عشر سنين حيث إكتفى بالحصول على مائتي درجة والتي كانت كافية لكي يسجل في كلية الهندسة الكهربائية، ولكنه كان سعيداً أيضاً بنجاح وتفوق زهير في تلك الكلية وعقد آماله على ابنه عمر لكي يحقق له ذلك الحلم.
كان زهير جالساً أيضا بجانب أخيه، كان شعوره متناقضاً وعصياً على التفسير، حيث أنه كان يود لعمر النجاح والتفوق، ولكن المنافسة الدائمة بينهما لكي يظهرا كالإبن المثالي أمام والدهما، كانت تجعله يتمنى أن لايحصل عمر على مجموع أكبر من مجموعه، لكنه كلما كان يفكر في هذه الفكرة كان يشيح برأسه محاولاً تبديدها.
من بين الجالسين أيضاً كانت هنادي الصغيرة ذات الأعوام الخمس، برغم أنها لاتفهم بالضبط مالذي يحدث، إلا أنها آثرت الجلوس بجانب أخيها عمر عندما أحست بأنه متضايق ، كانت تمسكه من يده وهي تنظر إلى لون وجهه الغريب والذي كان قد اقترب كثيرا من لون صلصة المعكرونة الحمراء التي تناولتها اليوم على الغداء.
كان صوت رنين الهاتف كافياً لكي يبان أبو زهير على حقيقته، حيث أنه هب على قدميه واقفاً وصرخ بإبنه عمر بأن يرد، لم يكن عمر بالتأكيد ينتظر والده لكي يعطيه هذا الأمر، وقبل أن يكمل أبو زهير صرخته كان عمر قد رفع السماعة ودون أن يتكلم كان يستمع لصديقه الذي كان يحاول الصراخ برقم المجموع، حيث أن الضوضاء الشديدة حوله لم تجعله قادراً على سماع صوت صديقه عمر.
رفع عمر قبضته إالى السماء، ومن ثم صنع بأصابعه إشارة النصر وصرخ ” 215″.
بدأت هنادي الصغيرة بالتصفيق، رغم أنها ستحتاج إلى أن تعيش لمدة إثني عشر عاماً آخر لكي تفهم معنى هذا الرقم، ولكن فرحة عمر كانت كافية لكي تعلم أن هذا الرقم يمثل شيئاً جيداً.
بعد أن قبل عمر يد والدته وعانق أخاه زهير والذي بدا على عكس ما كان ُيعتقد، أكثر الفرحين بنجاح أخيه، حمل عمر هنادي الصغيرة وقبلها، وتوجه إلى والده، وعندما أنهى تقبيل يد والده، نظر إليه وهو ينتظر ذلك السؤال والذي لم يتأخر أبو زهير في طرحه : ” بيطلعلك طب؟”.
عاد الصمت ليخيم على المنزل، كان زهير وعمر يعلمان جواب هذا السؤال ، إلا أن عمر أجاب ” الله كريم يابي، قول إنشالله”.
كم سيكون أبا زهير حزيناً عندما سيعلم بعد شهرين بأن عمر لن يستطيع في هذا الزمن ورغم هذا المجموع العالي والذي كان كافياً منذ عشر سنين لكي يحقق حلمه، بأنه لن يستطيع التسجيل إلا في كلية الإقتصاد، ورغم معارضة الجميع وحتى أبا زهير الذي أشفق على إبنه الذي سهر الليالي طوال سنة كاملة ، فإن عمر قرر أن يعيد التقدم لإمتحان البكالوريا رغبةً منه في تحقيق حلم والده.
أجول ببصري مرة أخرى بين شوارع دمشق، ما بين منطقة المزة إلى المالكي وأبو رمانة ومن ثم الشعلان وساحة عرنوس والمزرعة وبعدها المرجة وشارع الثورة والعدوي، ومن خلفهم جميعا تطل المهاجرين وبرزة، وفي كل بيت من هذه البيوت مئات القصص والحكايا والأخبار.
ألمح ذلك البيت الصغير في إحدى عمارات منطقة العدوي …. يبدو أنه ….
…
…
هاهو المؤذن يطلق نداؤه لصلاة الفجر ، هي ليلة أخرى لم أنم بها إذن، تعودت على ذلك، أبدأ ليلتي بتذكر أهلي وبلدي، ثم أبقى أعيش في وهم أحلام يقظتي حتى طلوع الفجر ، شعورك بأنك وحيد في هذا العالم هو شعور سيء ولا يقدر أن يحتمله أي شخص، أحاول النهوض لأداء الصلاة ولكن تصيبني كالعادة حالة مما يسمى بالجاثوم أو Incubus حيث أحس بعدم قدرتي على تحريك أطرافي، وتترافق بحالة من الفزع تجعلك تحس بأنك غير قادر على التنفس، أتلو الشهادتين في سري معتقداً بأن لحظتي قد أتت، وأحزن على مئات الأشياء التي كان بودي القيام بها، ولكن أسلم أمري إلى الله وأحمده على نعمة الإيمان ورضا الوالدين، فأحس بالدم يسري مجدداً في عروقي وأستعيد بعد لحظات قدرتي على التنفس …
أما عن ذلك البيت الصغير الذي كنت سأتحدث عنه … فتلك قصة أخرى … لأنه قد طلع الصباح … وسكت إيكار عن الكلام المباح.

لمست بنفسي كم أصبح من الصعب أن تنعم بجلسة هادئة على قاسيون
دون أن تصنف ضمن مجموعة لا أود ذكرها
أماكن عدة من بلدي شفتها بمقالتك .. جمال الغربة الوحيد أنك تدرك كم تحب وطنك رغم كل مساوئه
أحب جدا أن أقرأك أنس , شكرا
بدي شوف بلدي … غصيت بعدها وماقدرت اكتب تعليق.
بتمنى تتحقق أمنيتك وتنطوي هالغربة علينا.
فريزة … كنت قد قلتها مرة من المرات … كنت أعتبر دوماً أن إرتباطي بمكان معين يكون بسبب الأشخاص الذين تواجدوا فيه ، أي أن حنيني إلى ذكريات الماضي يرتبط دوماً بمواقف وأشخاص وليس بأماكن، لذلك كنت سريع التأقلم مع أية أحداث أو أماكن جديدة أضطر إلى الإنخراط فيها …
لكنني اكتشفت أنني مخطأ في ذلك .. عندما لم أستطع تفسير سبب شوقي إلى خزائن غرفتي، اللوحات المعلقة على جدار الغرفة ، وحتى كرسي القش الخاص بالشرفة …
أحب أيضاً أن أقرأك فراولة ، ولا أعلم هل يجب أن أستعمل فراولة أو فريزة، وبالنهاية هم وجهان لقلم مميز .
سووس … أنتِ وفقط أنتِ من بين كل الناس معذورة عندما لا تقدرين على كتابة تعليق على هكذا تدوينة. أشكر مروركِ.
من أجمل الخواطر التي قرأتها من اعلى ذاك الجبل الجميل
,,
.
يسلموا هالإيدين يارب
أدهم
أشكر لك مرورك صديقي أدهم ، ولك مني تحية.