تذكرت اليوم وبينما أغوص في ذكريات الماضي، كتاب اللغة العربية لأحد صفوف الدراسة ولعله صف التاسع أو العاشر، تذكرت أننا درسنا فن السجع ، وقد كانت المقالة المرافقة هي المقامة البغدادية لبديع الزمان الهمذاني، كم أحببت وقتها هذه المقامة، لذلك بداية سأضعها هنا كاملة كي يستمتع بها من لم يقرأها من قبل :
يقول بديع الزمان : حدثنا عيسى بن هشام فقال :
اشتهيت الأزاد وأنا ببغداد ، وليس معي عقد، على نقد، فخرجت أنتهز محالـّه حتى أحلـّني الكرخ، فإذا
أنا بسواديّ يسوق بالجهد حماره، ويطرّف بالعقد إزاره، فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله أبازيد، من
أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت؟ وهلمّ إلى البيت، فقال السّوادي: لست بأبي زيد، ولكنّي أبو عبيد،
فقلت: نعم، لعن الله الشّيطان، وأبعد النّسيان، أنسانيك طول العهد، واتصال البعد، فكيف حال أبيك؟ أشابّ
كعهدي، أم شاب بعدي؟ فقال: قد نبت الربيع على دمنته، وأرجو أن يصيّره الله إلى جنته، فقلت: إنا لله
وإنا إليه راجعون، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، ومددت يد البدار، إلى الصّدار، أريد تمزيقه،
فقبض السّواديّ على خصري بجمعه، وقال: نشدتك الله لا مزّقته، فقلت: هلمّ إلى البيت نصبّ غداء، أو
إلى السّوق نشتر شواء، والسّوق أقرب، وطعامه أطيب، فاستفزّته حمة القرم، وعطفته عاطفة الّلقم،
وطمع، ولم يعلم أنّه وقع، ثمّ أتينا شوّاء يتقاطر شولؤه عرقاً، وتتسايل جوذاباته مرقاً، فقلت: افرز لأبي
زيد من هذا الشّواء، ثمّ زن من تلك الحلواء، واختر لي من تلك الأطباق، وانضد عليها أوراق الرّقاق،
ورشّ عليه شيئاً من ماء السّماق، ليأكله أبو زيد هنيّـاً، فأنحنى الشّوّاء بساطوره، على زبدة تنّوره، فجعلها
كالكحل سحقا، وكالطّحن دقـّا، ثم جلس وجلست، ويئس ولا يئست، حتى استوفينا، وقلت لصاحب
الحلوى: زن لأبي زيد من الّلوزينج رطلين فهو أجرى في الحلوق، وأمضى في العروق، وليكن ليلـّى
العمر، يوميّ النـّشر، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤيّ الدّهن، كوكبيّ الّلون، يذوب كالصّمغ، قبل
المضغ، ليأكله أبوزيد هنيّا، قال: فوزنه ثمّ قعد وقعدت، وجرّد وجرّدت، حتى استوفيناه، ثم قلت: يا أبا
زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصّارّة، ويفنأ هذه الّلقم الحارّة، اجلس يا أبا زيد حتى
نأتيك بسقـّـاء، يأتيك بشربة ماء، ثم خرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني أنظر ما يصنع، فلما أبطأت
عليه قام السّوادي إلى حماره، فاعتلق الشّوّاء بإزاره، وقال: أين ثمن ما أكلت؟ فقال أبوزيد: أكلته ضيفاً،
فلكمه لكمة، وثنى عليه بلطمة، ثم قال الشّوّاء: هاك، ومتى دعوناك؟ زن يا أخا الـ**** عشرين، فجعل
السّـواديّ يبكي ويحلّ عقده بأسنانه، ويقول: كم قلت لذاك القريد، أنا أبو عبيد، وهو يقول أنت أبو زيد،
فأنشدت:
أعمل لرزقك كلّ آلـــه=لاتقعدنّ بكلّ حالة
وانـهض بكلّ عـظـيـمة=فالمرء يعجز لا محالة
جميل ما كتبت يا بديع الزمان، طيب لماذا لا أقوم أنا أيضاً بكتابة السجع، شو شغلة صعبة ؟ فانظروا ماذا أتيت به ، وباللهجة العامية الفصحى المختلطة، وهي علامة مسجلة الحقوق لي شخصياً.
حدثنا إيكار ابن ديدال وهو من جند مينوس العظيم وقال :
ذهب الشيطان الى العاصمة ، ليبحث عن روح ليسرقها.
فقد سمع أن هذا المكان مليء بالأرواح الفاسدة منذ مولدها.
امتطى دراجته النارية الضخمة.
ومضى بقلبٍ لا يعرف الرحمة.
وبينما هو يمتطي دراجته، شاهد شخصا وحيدا.
كان ينتظر الميكروباص، ولم يبدُ سعيداً.
اقترب منه الشيطان، وقال له بدهاء.
” أرى أنك غير مسرور، و لاتعيش في هناء”
نظر اليه المواطن نظرة المكسور
وقال له” أين سأجد السعادة وأين أجد الحبور؟”
” راتبي الذي قبضته من أسبوع قد تبخر”
“و سوف أقضي بقية الشهر، أشرب الشاي بلا سكر”
ابتسم الشيطان وقال ” سأترك لك الخيار”
“لدي عرض مغر ، سيخلصك من الدمار”
” أنا منبع الألم، وصانع الأحزان”
“فهل تظن أنك حياتك أتعس مني، أخبرني يا فهمان ؟”
” ما دمت بهذه الثقة فاليك هذا التحدي”
” أخبرني عن حياتك ويومك كيف بيعدي”
” وبعدها سنقرر من منا سينتصر”
” فإما أن تأخذ مصاغي الذهبي أو روحك سأعتصر”
قال المواطن :
” اسمع يا سيدي فهذي قصتي، منذ ولادتي وحتى لحظتي “
أنا ربيب الشوارع والحواري، وطوال عمري لم أعرف أبي من جاري
قضيت صغري على اشارات المرور، أبيع العلكة والدخان والبخور
لم أدرس في المدارس مثل رفقاتي، وقد كنت أعمل أجيرا عند أبو عبدو البغجاتي
كنت أعمل طوال الليل والنهار، يعني والعفو منك ولا أجدع حمار
وآخر اليوم أحصل على ليرات قليلة، يأخذها أبي مني بعد أن أحصل على لكمات وفيرة
قضيت نصف عمري في التسول، ويا ليتني كنت أجيد التحول
كنت حولت نفسي الى تراب، وخلصت نفسي من هذا العذاب
بيتي من التنك، وحياتي كلها ضنك
سرقت من كبل الكهرباء خطا صغيرا ، لأنير البيت الذي أملكه ولو قليلا
ولكن النتيجة كانت واحدة، فالتقنين يبدأ من الساعة الواحدة
قال الشيطان ” ما هذه الترهات البالية ؟ “
” أخبرني عن زوجتك الغالية”
قال المواطن :
أضحكتني يا هذا ولم أكن أرغب، هل تمزح معي أو أنك فعلا أجدب ؟
من وين بدي جيب مصاري حتى اتزوج ؟، ولا مفكر الدنيا سايبة وعلى المصاري عم بتزلج ؟
يا حبيبي هي اسمها جوازة بدها هز كتاف، وأهل العروس رح ينخلوك نخل ويبخو عليك بف باف
لحتى تقول بطلت بدي، وعزابي عايش لوحدي.
قال الشيطان ” يكفي يا هذا أوجعت رأسي”
” عن عملك حدثني ليزول بأسي”
قال المواطن :
أعمل بالفاعل وتكسير الحجر، ولو الحجر بينطق لعطاك الخبر
نازل تكسير بالنهار وبالليل، وبرجع بآخر اليوم مهدود الحيل
بزت حالي على هالتخت، وبتخيل حالي بأكبر يخت
ويا ريت الراتب يلي عم باخدو بيكفي، عايش عالدين وحالتي بتبكي
جثا الشيطان على ركبتيه و تنهد
“يكفي هذا ، تقطع قلبي وتمدد”
“خذ هذا المصاغ الذهبي النادر”
“بعه ، فقد شفقت عليك ولم أعد قادر”
وفي هذه اللحظة وصل شرطي المرور
وأمسك الشيطان من كتفه وقال في غرور
” عطيني وراقك يا أفندي و بلا كتر كلام”
“دراجتك مخالفة، وصافف عالطريق العام”
“ما عليها لوحات و لا اضاءة”
“وشكلك كنت سكران ، عطيني البطائة”
صاح الشيطان في غضب
ولم يحتمل أن يعامل بقلة أدب
“أنا الشيطان أيها البشري”
“أنا ملك الجان وعمري سرمدي”
قال له الشرطي و قد انفجر وهو يضحك
“شو أمرتو أخي ؟ مين قلتلي حضرتك ؟”
“ازا كنت انت الشيطان بزاتو”
” فأنا رئيس الاتحاد الافريقي عيسى حياتو”
“أمشي معي انتيه واحد سكران”
“ليك خدودك كيف حمرا، أكيد مفلل الخزان”
” وشاريلي موتور مشان تطبق البنات”
“وقعت بايدي يا واطي، أنا العريف عزات”
“يخرب بيتك شو هاد ؟ شو هالمصاغ الدهب ؟”
” معناتا انتيه يلي سرقت الصايغ تبع ساحة حلب”
” يا ويلك يا سواد ليلك رح تخ بالحبوس”
“و رح ننزل فيك ضرب ورجلينا رح تبوس”
لعن الشيطان حظه و فكر وفكر
“شو جابني على هالبلد، يلعن حظي المعتر”
“يا ساكن بالعاصمة روح الله يعينك”
“تعب كلها الحياة، مكتوب على جبينك”
و هنا صاح الديك و طلع الصباح
وسكت إيكار عن الكلام المباح

جميلة جدا جدا من اجمل ما قرات من فتره كبيره
و شكرا لانك زكرتنا بمقامة بديع الزمان الهمذاني الله يرحم ايام المدرسة
رائع جدا
أنس
تحياتي
ههههه ياسيدي ياانس الزمان .. فرطتني ضحك
يعني صحي السجع كان عم يفلت منك هون وهون .. بس شو بدك بالحكي عنجد حلوة
ومنيح ماعاش كتير بديع الزمان منشان مايهوي نجمو
مرحباً خالد .. أشكر لك مرورك وإطرائك … بتتذكر أنو صف كانت ؟
فراولة … شكراً لك … أردت أن أتحدث عن طبقة من الأشخاص المسحوقين والذي قد تقطع قلب الشيطان عليهم من الحزن .. ولكنني أردت أن أخرج عن جو السرد والحزن .. فجربت السجع الكوميدي البسيط المتهكم .. أرجو أن أن تكون فكرة المضحك المبكي قد وصلت.
دعدوشة … مرحباً بكِ ، بالله مو حطيتو لبديع بجيبتي ؟ أمزح طبعاً، هي محاولة لصنع جو الكوميديا بسجع بسيط لا أكثر، وبالنسبة للسجع يلي عم يفلت ، هادا بدو ترباية