
” ما أحلى العودة إلى المنزل “
ارتمى بثقله على الكرسي الكبير وقام بحل ربطة عنقه ، بينما سحبت أنا كرسياً من جانب الطاولة ووضعت حقيبتي عليها وجلست على الكرسي الكبير الآخر.
” كان يوماً طويلا ” أردف وهو يغمض عينيه ، ” كم أحتاج إلى قيلولة في هذا الهدوء الرائع، لهذا السبب اشتريت هذه الشقة في الضاحية، بعيدا عن صخب المدينة وزحامها”.
نظرت إليه بدهشه، بدأت الحديث ولكن من الواضح أن صوتي كان لا يصل لمسامعه وهو مستمتع في هدوءه، رفعت صوتي أكثر وقلت ” حقا ؟ ، هل أنت سعيد بهذه الشقة ؟ “.
أجاب ” بكل تأكيد، جو لطيف ، هدوء ، الخضرة من حولنا، والهواء نظيف وخالٍ من العوادم “.
أغمض عينيه وقال ” فقط أنصت إلى هذا الهدوء، راحة الأعصاب يا صديقي لا يعلوها أي شعور آخر”.
هممت بالرد عليه ولكنه فتح عينيه فجأة وقال ” هل سمعت هذا ؟ “.
حاولت أن أصيخ السمع، ولكنني لم قادراً على تمييز أي صوت ، أجبته قائلا ” أي صوت تقصد ؟ “.
قفز من مكانه واتجه نحو الهاتف وقال ” إنه جاري في الطابق العلوي، ألا تسمع صوت المذياع العالي، كم مرة نبهته إلى ذلك ! “.
نظرت إليه باستغراب ولم أتحدث، وسمعته يتشاجر مع جاره على الهاتف وأغلق في وجهه سماعة الهاتف بعدما طلب منه بطريقة غير لبقة أن يخفض صوت ” البطيخ ” الذي يسمعه لأنه يرغب بالنوم.
لمحت على وجهه بعض علائم الإرتياح ولاحظ دهشتي وقال ” لا تؤاخذني، إنفعلت قليلاً، ولكن هناك بعض الأشخاص يحتاجون إلى عينٍ حمراء وبعض الشدة في الكلام و خاصة أنني …. “
صمت قليلا وبدا وكأنه يستمع إلى شيء ما وأردف ” قلت لك، لقد أخفض صوت التلفاز، لو كنت طلبت منه ذلك بطريقة لبقة لم يكن لينصاع لرغبتي، لم يعد أحد يهتم براحة جيرانه هذه الأيام، والأنانية أصبحت متفشية”.
أغمض عينيه وقال ” دعني الآن أستمتع بالهدوء للحظات، يا سلام ، لو معك إبرة الآن فلا ترميها، لأنها ستعكر صفو هذا الهدوء “.
إنفجرت غاضباً و صحت به ” يا أخي توقف أرجوك !! ، توقف عن السخرية مني !! لماذا تفعل ذلك ؟”
نظر إلي بدهشة وقال ” مابك ؟؟ مالذي حدث ؟ “.
صحت قائلاً ” منذ أن دخلنا وأنت تسخر مني بحديثك المضحك !! ، لماذا تتظاهر بأن الهدوء يعم المكان وصوت الحفارات في الخارج يصم الآذان ؟ ألا تسمع أصوات التكسير و صريخ العمال وعويل الآلات في المشروع الجديد الذي يقام بجانب العمارة ؟، ولماذا تتظاهر بأن الجو عليل وخالً من العوادم وهو محمل بالقذارة والأوساخ والتراب الناتج عن الحفريات وعوادم الشاحنات والآليات التي تعمل في المشروع ؟، والأدهى من ذلك أنني متأكد بأن اتصالك مع جارك كان حقيقياً وليس مزاحاً، ماذنب الرجل المسكين لكي تقحمه في هذه المزحة السخيفة ؟ “
نظر إلي بدهشة وقال ” ما بك ؟ عن ماذا تتحدث ؟ عن أي ضجيج تتحدث ؟ “.
كورت قبضتي وقفزت نحوه وأنا غاضب وصرخت ” قلت لك يكفي، يكفي استخفافاً بعقلي “.
توقفت في منتصف المسافة بيني وبينه، حيث أنه قد أحنى رأسه ونظر إلى الأرض وقال لي ” أرجو أن تجلس وتهدأ وسأشرح لك”.
جلست على الكرسي مرة أخرى وقد صدمت بردة فعله المحزنة والتي جعلتني أخجل من موقفي وعندها بدأ بالحديث.
” يا صديقي، لقد إشتريت هذا البيت في الضاحية لأنني لم أكن أملك مالا كافيا لشراء منزل في المدينة، وقد تحملت بعده عن مكان عملي وضعف التخديم في المنطقة، مقابل الهدوء الذي كان يعم المكان بالإضافة إلى الجو الريفي الجميل، ولكن منذ عام تقريبا، بدأ العمل في المشروع المجاور، وقد أحال حياتنا في الضاحية إلى جحيم، ملأت الأتربة والعوادم المكان، ولم نعد نستطيع أن ننام بسبب أن العمال يعملون في المشروع الضخم طوال اليوم وبعدة مناوبات، انهارت أعصابنا كما حصل لك الآن بعد الأسبوع الأول، طار النوم من أعيننا وبدأت الأمراض التنفسية والعصبية تصيبنا بسبب التلوث البيئي والصوتي.
” وماذا حصل بعد ذلك ؟ “
” هل تذكر سيارتي القديمة والتي أخبرتك أنها قد تحطمت في حادث بينما كان أخي يستعملها ؟ الحقيقة هي أنها قد تم تحطيمها تماما مع باقي سيارات الجيران بعدما تقدمنا بشكوى ضد المشروع لمجلس البلدة، وجدنا لوحات معلقة على سياراتنا المحطمة وقد كتب عليها ( إشتكوا مرة أخرى لو كنتم تملكون الجرأة).
“إذن فقد حطم صاحب المشروع سياراتكم مع تهديد مباشر في حال تكرار الفعلة، لماذا لم توصلوا الأمور إلى الشرطة ؟ “.
ابتسم إبتسامة صفراء وقال ” هل تعلم من تبين أنه صاحب المشروع ؟ إنه الحوت “.
دارت الأمور في ذهني وهززت رأسي في أسى.
” الحوت يملك نصف مشاريع البلد، وهو شريك مسيطر في النصف الآخر، إكتشفنا أنه لا يملك المشروع وحسب، بل هو يملك هذه العمارة أيضاً، ويملك شركة الكهرباء التي تزودنا بالطاقة، ويملك شركة المياه التي تزودنا بالماء، بل اكتشفت أنه يملك الشركة التي أعمل بها، فهل تريدني أن أشتكي عليه، فيقوم بقطع الكهرباء عني طوال اليوم بدل الساعات العشرة التي تقطع عنا فيها الكهرباء ؟ هل تريد أن يقطع الماء عنا حتى في اليوم الوحيد الذي تصلنا به ؟ هل تريد أن يرمني خارج العمل رغم أن راتبي لا يتعدى ما يتقاضاه عامل الشاي والقهوة في شركات أخرى ؟ هل تريد أن يطردني خارج الشقة لأي حجة يبتدعها ؟ “
أومأت رأسي تفهماً.
” عندما أدركنا أن المشروع لن يتوقف، بدأنا بالتأقلم مع الضجيج والأتربة، أصبح الضجيج جزءا من حياتنا اليومية، وقد تعودنا على رتابته لدرجة أنه بدأ يختفي بالتدريج من حياتنا، لم نعد نحس بالضجيج أبدا، لا يسمعه الآن سوى الزوار والقادمون الجدد إلى منطقتنا، وأصبح أي صوت دخيل على هذا الضجيج يتسبب بإزعاجنا، وأظن بأنه السبب بأنك لم تستطع سماع صوت التلفاز العالي لأنه لا يقارن بصوت الضجيج في الخارج، بينما أنا استطعت تمييزه”.
قلت له ” لكن ألم تكن قاسيا في ردة فعلك مع جارك ؟ “.
نظر إلى السقف وقال ” يا صديقي ، في العمل يوبخني المدير المسنود في منصبه دون رحمة وأضطر أن أقف أمامه خانعاً دون أن أستطيع الرد، ولو أن أحداً من أبناءي شاهدني وأنا أذل بهذا الشكل المخزي لتبرأ مني ولا أعترض، تأتي فواتير الكهرباء العالية وأدفعها صاغراً دون أن أعترض، أدفع ضرائبي دون أن أعترض، يخصم من رواتبي دون أن أعترض، أحرم من النوم في منزلي دون أن أعترض، أصاب بالأمراض أنا وأولادي لكي تزيد مكاسب الحيتان دون أن أعترض، فهل تريدني أن أخسر فرصتي الوحيدة في التذمر ولو كانت على حساب جاري المسكين ؟ “.
هممت بالرد عليه حيث أنني لم أقتنع بتسويغه لفعلته، ولكنني لمحت دمعة على طرف عينه، لم أره يبكي منذ أن عرفته، أسندت رأسي على الكرسي ونظرت إلى السقف، تذكرت أن الحوت يملك الشركة التي أعمل بها أيضاً، وأنني أحصل على الماء والكهرباء من عند الحوت، وأن منزلي تملكه شركة تابعة للحوت، وربما ستدور الدائرة علي ويقام مشروع آخر بجانب منزلي، فما أنا بفاعل ؟
بينما كنا غارقيين في همومنا، أحسست بصوت الضجيج في أذني ينخفض شيئاً فشيئاً، رغم أنه مازال مستمراً بشدة في الخارج، لم أصدق عندما عم السكون والهدوء داخلي، نظرت بابتسامة إلى صديقي والذي فهم ما حصل، قال لي وقتها ” الآن أستطيع أن أقول أهلا بك في عالمي ” ، ابتسمت له وأغمضنا أعيننا وخلدنا إلى النوم، والصمت الرائع يعم أرجاء المكان.
(من وحي فيلم قصير – نيورو – لبرونو بوزيتو )

أحدث التعليقات