دعونا ننام … لعلنا نستيقظ

5 06 2009

3 Suns

 

” نيد، لقد تعبت، لنرتح قليلا “

 

” ستغرب الشمس بعد قليل ، دعنا نكمل الحفر لبرهة “

 

تابع نيد نبش الأرض ، و توقف بعد أن سمع صوت اصطدام جسم غريب بطرف معوله.

 

” هل سمعت هذا ؟ يبدو أنني وجدته “

 

قفز ” هال ” من مكانه واقترب من نيد ، يبدو أن دراساتهم عن هذا الموقع كانت صحيحة فعلا …

 

” معقول ، هل يعقد أننا وجدنا ذلك الهيكل ؟ “

 

” نعم يا صديقي … لقد نجحنا .. هاهو ، سيكون العام 2009 نقطة تحول كبيرة لمتحفنا “

 

تسمرت أعينهما على ذلك الهيكل العظمي ذو الشكل الغريب، نيد وهال يعملان كباحثين في المتحف الوطني للكائنات الحية، وقد قاموا بدراسة عن واحد من الكائنات المنقرضة، وأوصلهما البحث الى هذه البقعة ..

 

” أتظر يا هال .. هذه لحظة من التاريخ ، هل تصدق أن عمر هذا الهيكل يزيد عن عشرة آلاف عام ؟ انظر إلى بنيته الغريبة “

 

” هذا نصر علمي لنا يا صديقي، أرجو أن تقرأ لي ما كتب في المرجع الخاص بنا عن الحيوانات المنقرضة “

 

فتح نيد الكتاب الضخم وبدأ يقرأ :

 

” يقال أن هذا الكائن كان يعيش على سطح كوكب الأرض في العام 8000  قبل الميلاد ، كما ترى فبنيته ضعيفة جداً و يقال أن نسبة ذكائه تكاد معدومة “

 

” مممم ، هذا واضح من حجم الجمجمة ، هل كتبوا شيئا عن سبب انقراضه ؟ “

 

” أجل ، إسمع هذا ، كم هو مضحك ، يقال أن هذه المخلوقات قد وجدت النفط في ذلك الزمن، و رغم أن النفط المتوفر في ذلك الوقت كان يكفي الكرة الأرضية لسنوات و سنوات ويزيد، فإن تلك المخلوفات قد تصارعت فيما بينها بوسائل بدائية لكي تستولي على ذلك النفط”

 

” يا للغباء !! ماذا حدث بعد ذلك ؟ “

 

” حشدت تلك المخلوقات جيوشها و قامت بالاقتتال فيما بينها بحروب عشوائية بدأت جميعها بشكل حروب متفرقة في أماكن عدة، وانتهى الأمر بهم إلى تدميرهم كليا !! “

 

” عجيب ، دمروا بعضهم من أجل النفط  ؟، و لكن هل يعقل أن جميع تلك الكائنات قد شاركت في تلك الحروب ؟ “

 

” يقول المرجع أن تلك المخلوقات كانت قد صرفت جل مواردها البشرية و المادية على سبل تطوير أسلحة الفتك والدمار وذلك لكي يستولي كل منهم على ثروات الآخر، فأهملوا البحث العلمي الخاص بتطوير الأدوية والعقاقير الخاصة بالأمراض المعدية ، كانت البداية بمرض الايدز، ومن ثم ظهر وباء جدبد هو انفلونزا الخنازير، وبدأ بالانتشار بشكل مرعب، وحينما تنبه العالم إلى ضرورة التركيز على تطوير العلاج لهذا المرض، كان الوقت قد فات ، وانتشرت نوعيات مختلفة من الأوبئة، قضت على هذه الكائنات جميعها “

 

” فعلا ..  كم كانوا أغبياء، قل لي يا نيد ، أليس النفط هو ذلك السائل القذر الكريه الرائحة ، والذي قد تخلصنا منه في الفضاء الخارجي لعدم حاجتنا له ؟ “

 

” أجل ، من يحتاج للنفط بوجود الشمس ؟ .. أنت تعلم أن الطاقة الموجودة داخل أشعة الشمس التي نستقبلها ليوم واحد تكفي لسد احتياجات كوكبنا لمدة عام كامل، حتى أن تاريخنا مرتبط بطاقة الشمس ، نحن الآن في العام 2009 بعد ميلاد الطاقة الشمسية الحديثة، يبدو أن هذه الكائنات كانت تستخدم تقويما مختلفا ، الكتاب يذكر أن تقويمهم مرتبط بولادة شخص يقال له المسيح عليه السلام “

 

” أنظر الى هيئته الغريبة !! ، لا عجب أنه كان ضعيف البنية،  كان له رجلان فقط ، لا أستطيع تخيل نفسي دون أقدامي الستة ، وانظر إلى تلك التجاويف في الجمجمة ، تجويفان اثنان، كانوا يستطيعون النظر إلى الأمام فقط ، عندما تلتهب إحدى أعيني العشرة فإنني أشعر بأنني غير قادر على الرؤية السليمة ، وخاصة أعيني الجانبية “

 

” أستغرب أن يقوم عرق كامل بتدمير بعضه لهذا السبب التافه، و الأغرب أن عقاقير معالجة الإيدز و انفلونزا الخنازير ومتلازمة البجع وجدري السمك والتهاب الحملان الصامتة و غيرها من هذه الأمراض القديمة ، تدرس الآن لطلاب الصفوف الابتدائية في مادة الطب البديل … دعنا نأخذ الهيكل إلى المتحف الآن ، الشمس الثانية بدأت بالغروب، و ستشرق الشمس الثالثة بعد قليل ، تلك الشموس الصناعية التي طورها أجدادنا في القرن الماضي ساهمت في ضخ المزيد من الطاقة للكوكب وضمنت عدم انقطاعها، بالاضافة إلى أنها تحوي طاقة صرفة وإضاءة دون أي حرارة ناتجة، كم هو رائع العلم… “

 

في المتحف الوطني، تجمهرت الحشود حول الهيكل العظمي الغريب الشكل، وعلى لوحة صغيرة أسفله كتب :

 

الإسم : الإنسان البشري القديم – homo sapiens

تاريخ الوفاة : العام 2037 بتقويم كوكب الأرض القديم -  الموافق للعام 8000 قبل الميلاد.

سبب الوفاة : مخلوق غبي، دمر نفسه بنفسه.

 

..

..

..

استيقظ في هذه اللحظة من نومه، فرك عينيه بشدة، يبدو أن شيئا من هذا الحلم لم بجد طريقه إلى ذاكرته، نادى على زوجته لتعد له فنجان القهوة .

 

بينما يقوم بقراءة جريدته الصباحية، التفت إلى زوجته وقال :

 

” ما هذا المرض الجديد الذي يتحدثون عنه ؟ “

 

أجابت ” دعك من هذا الهراء، بلبلة إعلامية”.

 

في هذه اللحظة دخل ابنه الصغير ذو السنوات الست إلى الغرفة  …

 

” أبي، أنظر إلى هذا المسدس، ألا يبدو كالحقيقي، سأخرج لكي أخيف أصدقائي به  و أحصل على الحلوى التي يمتلكونها ، كم أحب الأسلحة، تجعلني أحس بالقوة عند إمتلاكها، أريد أن تحضر لي في عيد ميلادي القادم المزيد من الأسلحة و المفرقعات”.

 

أومأ الأب برأسه، وعاد لقراءة الجريدة .

 

 

 

 





إن قال واحد … أقول بيب

1 06 2009

بلاه الزمور يا جماعة

 

كلما وجدت شخصاً يستخدم هذا الإختراع المقيت، أتذكر ياسر العظمة في إحدى حلقات مرايا عندما كان صائماً و غاضباً بشدة، و قام أحدهم بالتزمير له من الخلف أثناء قيادته السيارة، فنزل منها متجاهلا توسلات صديقه عابد فهد لكي يتشاجر مع صاحب الزمور، ووقف يومها في وسط الشارع وصرخ :

 ” ولك ليش عم تزمر ولاه !!! “

بحثت في الانترنت عن الشخص الذكي الذي اخترع زمور السيارات، فوجدت أنه صانع ساعات ألماني يدعى هاوتتسش في منتصف القرن السابع عشر، والمثير أنه لم يضعها لعربة تحوي محركاً لأنها لم تكن مخترعة بعد، ولكنها كانت لعربة تجرها الأحصنة.

لم يكن صاحبنا يعلم أن تقليعته الجديدة ستمتد لقرون قادمة، لتتحول شوارعنا إلى ” أوركسترا” تعزف فيها السيارات المختلفة أجمل ألحانها.

المخجل أن هدف الزمور الأوحد كان التنبيه في الحالات الطارئة، الإنسان بشر في النهاية وقد يقوم بحركة خاطئة أثناء القيادة تستدعي التنبيه ممن خلفه، لكن أن نزمر في الأعراس لنحتفل ، ونزمر بعد المباريات لنحتفل ، ونزمر بعد النجاح لنحتفل ، ونرمر في الشارع مع الأصدقاء لنتسلى، ونزمرحتى قبل نهاية زمن عداد الإشارة الحمراء بعشر ثواني ( من أجل أن يسرع العداد يمكن ) ، حتى لأنك تحس أحياناً أن آينشتاين في السيارة المجاورة لك سيأخر عن احد إختراعته المهمة التي ستفيد البشرية إن وقف لمدة خمس ثوان على الإشارة، وصفقة العمر ستضيع على وارين بافيت القابع في البيك أب التي خلفك.

عندما زرت جمهورية مصر الشقيقة، فوجئت بالسائق المرافق وهو يزمر بعنف رغم أننا كنا لوحدنا في الشارع، حتى أنني ظننت وقتها أن الشارع مليئ بالسيارات، وأنني أنا من أصبت بالعمى بعد صدمة صحن الفول العجيب في الفيشاوي، ولكن بعد سؤاله تبين لي أنه متعود على إطلاق الزمور بحركة لا إرادية ، كون الشوارع عادة تكون مزدحمة، أي أن الزمور قد أصبح جزءا من قيادته، ولا أستغرب أن يحوي إمتحان القيادة عندهم بنداً يقضي بترسيب المتقدم إن لم يزمر على الكوع !!

المزعج أكثر أنه رغم وجود الموبايلات في هذا الزمن ، فإن بعض الأشخاص يصرون على التزمير في أسفل البناء لكي ينبهوا الشخص الذي سيذهب معهم وينزل لملاقاتهم، هذا إن سمع الشخص صوت الزمور وأدرك أنه موجه له ، طبعاً سيكون الجيران جميعاً قد استيقظوا من قيلولتهم، ولن أستغرب إن أرسلوا أحد أطفالهم إلى ذلك الشخص لكي يستعجله بالنزول لملاقاة صديقه !.

تذكرت هنا مقطعا مضحكاً للفنان أحمد الزين، أتركه لكم يا مستخدمي اليو تيوب لتستمتعوا به ..

و في النهاية .. أنا سعيد جداً بخسارة ” الفنانة المعجزة و الأمل !! ” الشمطاء سوزان بويل في نهائيات مسابقة ” البريطانيون لديهم الموهبة ” لأن الحجة كانت جاهزة لأنصارها عندنا في عمل زفة تزمير إعلامي جديدة فرحاً بفوزها.

 





أنا هنا من أجلكِ … فقط

28 05 2009

Iam going to fly

بينما تجلس هي على طرف سريرها ، دخل عليها الغرفة دون إستئذان .

هو : لقد أتيت.

هي : تأخرت !

هو : أردت أن أترك لكِ بعض الوقت لكي تستعدي، أرى أنك في أجمل صورة.

هي : أجل، أحببت أن أريهم جمالي، وخاصة زوجي، أريد أن يراني في هذه الصورة ليدرك مدى خسارته، خاصة أنني لم أمكنه مني بعد.

هو : تبدين سعيدة لرؤيتي ؟

هي : أجل، لا تتصور مدى سعادتي، اليوم سنذهب معاً، أنا وأنت … وحدنا.

هو : غريب، لم أرى أي فتاة من قبل تسعد بالخروج معي، وخاصة من هم في سنك، أنتِ مازلت في ربيعك العشرين.

هي : ربما، ولكن سأطلب منك طلباً صغيراً، أريد أن تخرج صديقتي رشا معنا.

هو : رشا ؟ صديقتك منذ أيام الطفولة، كنت أظن أنكما من أعز الأصدقاء ؟.

هي : رشا هي سبب خروجنا معاً اليوم، عندما كنت أخرج سراً مع حبيبي كانت هي وحدها تعلم بذلك، بالاضافة إلى معرفتها بنيتنا على الزواج الرسمي بعد نهاية دراستنا الجامعية، وتعلم أن أهلي لم يعرفوا بهذا الأمر.

هو : ماذا حدث إذن ؟

هي : كنت ألمح نظرات الغيرة في وجهها كلما كنت أخبرها أنني سأخرج للقاءه، أنت تعرفه ؟ أليس كذلك ؟ لقد خرجتما معاً الأسبوع الماضي ؟

هو : نعم ، كان شاباً لطيفا وذو شخصية محببة، شخصيته تشبهك جداً، كان سعيداً بالخروج معي.

هي : إتصلت رشا بأهلي سراً، و أخبرتهم عن مكان لقائنا، حضر والدي وأخي وأوسعونا ضرباً، يدي مازلت مكسورة كما تلاحظ.

هو : مؤسف … وبعد ذلك بيوم واحد تزوجتِ من زوجك الحالي.

هي : لم يستغرق منهم التخلص من فضيحتي أكثر من يوم واحد، قال لهم أخي أنهم يجب أن يزوجني فوراً لمداراة الفضيحة.

هو : إذن رشا هي السبب، هل أنت متأكدة من أنها كانت المتصلة ؟

هي : أجل، دون أدنى شك، أرتعش كلما تذكرتها ، لقد حضَرَت حفل زواجي في اليوم التالي وكأنها لم تفعل شيئاً، رأيت في عينيها نظرة الشماتة والاستهزاء، خاصة وأنها تعلم من هو زوجي الحالي.

هو : زوجك معروف، لديه ثلاث زوجات حاليا على ذمته، والكثير من المال الحرام.

هي : نعم، باعني أخي له مقابل حفنة من المال، كان ينتظر الفرصة منذ زمن ، وقد أحضرت له رشا هذه الفرصة على طبق من ذهب، كان أخي بحاجة لهذا المبلغ ليسدد ديونه من القمار، ولم يجد حجة أفضل من ستر الفضيحة.

هو : رغم ذلك فأنا لا أستطيع تنفيذ رغبتكِ ، أنا هنا من أجلك، ومن أجلكِ وحدكِ، وسنخرج اليوم لوحدنا فقط.

هي : نعم ، رغم أنني كنت أرغب في أن تذهب رشا معي، إذن فهل يستطيع زوجي الذهاب معنا ؟

هو: تكرهينه أيضاً ؟

هي : ليس ذنبه، لقد إعتاد على الزواج من صغيرات السن، يعود كل ليلة ويفرغ حقده الدفين في أضلاعي، لم يستطع الإقتراب مني حتى الآن، لذلك كان يكتفي بضربي بكل ما يقع تحت يديه.

هو : دعيه في همه، إنه في السبعين من عمره، قد أزوره قريباً دون سؤالك، وربما اليوم عندما يراكِ بعد مغادرتنا.

ضحكت وقالت : معك حق، مازلت غير مصدقة أنني سأخرج اليوم معك، دون أن يعلم أحد بنا، سأذيب قلب والدي وأخي وزوجي حزناً، كانوا يتحججون بالفضيحة … سأريهم كيف ستكون الفضيحة اليوم.

هو : تحقدين عليهم لهذه الدرجة ؟ لماذا إذاً لم تطلبي مني أن يخرج والدكِ أو أخاكِ معنا ؟

هي : الطريق الذي يسلكه أخي سيوصله قريباً إليك ، أريد له أن يتعذب قبل أن يصل، أما والدي فهو مغلوب على أمره، رغم أنه كان سبباً أيضاً في القضاء على أحلامي وطموحاتي الدراسية و الدنيوية.

هو: إذاً، هل أنت جاهزة لي ؟

هي : نعم، هيا بنا.

تمددت على سريرها، أطلقت زفيراً خفيفاً، نظرت إليه وقالت له : إفعل بي ما شئت، ولكن قبل أن تبدأ، أريد أن أسألك …

هو : إسألي ما شئتِ.

هي : هل سأقابل حبيبي هناك ؟

هو : لا أعلم ذلك، الله وحده يعلم، رغم أنه سلك نفس طريقك، ولكنني لا أضمن لكِ أي شيء.

هي : هل خاف عندما رءاك ؟

هو: كان سعيداً عندما رآني، خوفه كان عليكِ فقط ، لم يكن يعلم كيف ستتصرفين عندما تعلمين بوفاته، ظل يفكر بكِ حتى آخر لحظة في حياته.

هي : لم أسمع عنه سوى أنه انتحر منذ أسبوع ، لم أعلم كيف، هل لك أن تخبرني كيف إنتحر ؟

هو : تماماً كما فعلتِ أنتِ، جرعة من السم، أنتما تفكران بنفس الطريقة تماماً.

أغلقت عينيها وقالت : حتى في الموت …. أنا وأنت.

قبض روحها بهدوء وترك جثمانها راقداً على السرير، قلما واجه بشريين بشجاعتها ورباطة جأشها، حتى المنتحرون من أمثالها كانوا يخافون عند رؤيته ويندمون على فعلتهم، ولكن من الواضح أن رغبتها بالموت كانت كبيرة جداً لبشري يواجه ملك الموت أمامه دون أن يصرخ رعباً وفزعاً.

هو : غريبون أنتم أيها البشر، وهبكم الله كل أسباب السعادة، لماذا تتركونها وتقضون حياتكم وأنتم تحاولون تدمير بعضكم البعض ؟ تحيلون حياتكم إلى جحيم، ومن ثم تقضون على أنفسكم طوعاً ظناً منكم بأنكم تهربون منه، ولكن هيهات … إلى جحيم آخر …غريبون ….

حلق عاليا ونظر إلى الأرض: سأعود من أجلكم جميعاً، سأخرج معكم فرداً فرداً، تذكروا أنني سآتي إليكم يوماً ما، هل أنتم جاهزون للقائي ؟






دقت ساعة النصر

16 05 2009

 

دقت ساعة النصر …
أسفل منتصف الهدف  …
أسفل منتصف الهدف …
هدئ من روعك …
خذ نفساً عميقاً …
سدد …
إنطلقت رصاصة بندقيته كالسهم ، لتصيب رأس جندي العدو ، وتسقط جثته هامدة دون حراك ..
رفع قبضته في السماء ، فأنطلق أصدقاؤه إليه وهم يهللون ، حملوه على أكتافهم و غادروا موقعهم لتلتهمهم عتمة الليل.
( عين الصقر ) … لقب ناله بعد عدة عمليات ناجحة ، لم تشهد منطقتهم شاباً بمثل قدرته الهائلة على التصويب، سنوات من التدريب الشاق والعمل الدؤوب ساعدته على 
إكتساب أعصابه الهادئة و قبضته المتينة التي لا تهتز.
حول طاولة خشبية في منزله ، جمع أصدقاؤه حوله وبدأ بالكلام :
إخواني ، زملاء النضال ، دقت ساعة النصر ، غداً سنقوم بأهم عملية لنا ، سمعتنا وسمعتكم كأبطال على المحك ، المجد يناديكم يا إخوة
غدا وفي الساعة الثامنة سننطلق لننفذ مهمتنا الأخبرة ، سنقطف بها ثمرة تعبنا للشهر الماضي ، لن ندخر جهداً عن تحقيق هدفنا ، أوصيكم بالصبر وعدم التسرع ، وسأكون أنا عين الصقر ورائكم لأحمي ظهوركم ، لقاؤنا عند نقطة التجمع ، ومن ثم تعلمون تماماً ما يجب فعله.
أومأ الجميع برأسهم وقد كان التوتر بادياً على محياهم، هم يعلمون جيداً دقة العملية وصعوبتها ، يوم الغد هو يوم مختلف عن بقية الأيام.
في لحظة الصفر ، تمركز الجميع في مواقعهم ، وقد نفذوا الجزء الخاص باقتحام مناطق العدو ، ولم يبقى لهم سوى أن ينتظروا نجاح عين الصقر في مهمته لكي يجهزوا على من تبقى من الأعداء في داخل القاعدة.
كان قناص العدو متمركزا في مكان مناسب ، ولا سبيل لنجاح العملية سوى أن ينجح عين الصقر في إصابته إصابة مباشرة ، ولكنه كان يعلم صعوبة المهمة هذه المرة ، لأن 
قناص العدو معروف بدقته أيضاً.
هاهو أمامي الآن …
أسفل منتصف الهدف ..
أسفل منتصف الهدف  …
إثبت …
ضغط الزناد ، وسمع أزيز الرصاصة في الأجواء ، وبينما كان الأصدقاء في الأسفل ينتظرون جثة القناص لتهوي على الأرض ، فوجئوا به يقف  ويركز بنتدقيته على حافة الساتر الترابي ، ثم يطلق طلقة واحدة ، أصابت هدفها تماماً.
في طريق العودة ، سار الأصدقاء مطأطي الرؤوس ، ولم يستطع أحدهم أن يتفوه بأي كلمة …
قال أحدهم : هل كان هذا حلماً ؟
أجاب الآخر : لا ، لقد أخطأ عين الصقر هدفه هذه المرة ، خطأ واحد فقط كان كفيلاً بإنهاء حياته.
ضرب الثالث بقيضته على الحائط الصخري : اللعنة ، لم يخطأ أي هدف من قبل ، كيف له أن يخطأ اليوم ؟ ، ويرحل ويتركنا في أرض المعركة ؟
سكتوا جميعاً وقد غلبتهم دموعهم … و تذكروا اللحظات الجميلة التي قضوها مع صديقهم عين الصقر خلال عملياتهم السابقة.
قطع الصمت صوت رنين هاتف أحدهم ، نظر إلى جهاز هاتفه ، إتسعت عيناه من الذهول ، نظر إليهم وقال بصوت متهدج : عين الصقر يتصل بي !!!
نظروا إلى بعضهم في ذهول ، رد صديقهم على الهاتف :
” ألو ، عين الصقر ؟ “
أجابه ” نعم ، هو أنا “
سأله بلهفة ” أين أنت ،  ومن أين تتكلم ؟ “
أجابه ” من جهنم !! ، من وين بدي كون عم بحكي ؟ من البيت طبعاً “
سأله ” هيك بتتركنا وبتروح بنص المعركة ؟ “
قال ” ما إنحسمت يا شريك بعد ما قتلوني ، تركت المباراة ورجعت عالبيت ، مالي عين شوفكون بعد ما خسرنا الألفين ليرة، بس وحياتك غير عوضلنكوم ياها “
” شلون بقى ؟ “
” سماع ، بكرة جماعة المالكي مزبطين فريق ، ووعدتون بمحل الشبكة على تحدي كاونتر سترايك سورس  بـ 3 ألاف ليرة ، شو قلتو ؟ “
” بس مو بكرة كمان تهز إيدك ، و ما تحسن تصيب حدا “
” لأ و لا يهمك ، اليوم رح إتدرب منيح ، ورح إرجع عين الصقر يلي بتعرفوه ، بكرة الساعة تسعة بمحل الشبكة ، شو قلتوا ؟ نتوكل على الله ؟ “
أجابه ” حمودة بيقلك إنو إمو ما بتخليه يطلع من البيت بعد الساعة تمانة “
زفر بعنف و صاح ” ولك هادا حمودة رح يجنني ، ما بيكفي حاطينوا بالفريق رجل كرسي مشان نكمل العدد ، لو مالنا مستعجلين بجيب أي ولد صف سادس مو لعبان كاونتر بحياتو بينزل محلو ، خلص هلأ بحاكيهون وبخلي الموعد عالسبعة”.
أغلق سماعة الهاتف ، وإتجه إلى جهاز الحاسب ، ليبدأ تدريباته ، أمامه ليلة طويلة من التدرب على تحريك االفأرة بالسرعة اللازمة ، وضغط الأزرار بأقصى سرعة تسمح 
له بشراء المعدات و الأسلحة ، ساعة الصفر قد إقتربت ، ولن يسمح لنفسه أن يخسر مرة أخرى.
أغلق باب غرفته ليركز في تدريباته ، حيث أن والده كان يستمع إلى نشرة الأخبار ، والتي كانت تعلن عن مقتل أربعة أطفال فلسطينين ، بنيران قناص إسرائيلي.

 

sniper_at_sunset

أسفل منتصف الهدف  …

 

أسفل منتصف الهدف …

 

هدئ من روعك …

 

خذ نفساً عميقاً …

 

سدد …

 

إنطلقت رصاصة بندقيته كالسهم ، لتصيب رأس جندي العدو ، وتسقط جثته هامدة دون حراك ..

 

رفع قبضته في السماء ، فأنطلق أصدقاؤه إليه وهم يهللون ، حملوه على أكتافهم و غادروا موقعهم لتلتهمهم عتمة الليل.

 

 

( عين الصقر ) … لقب ناله بعد عدة عمليات ناجحة ، لم تشهد منطقتهم شاباً بمثل قدرته الهائلة على التصويب، سنوات من التدريب الشاق والعمل الدؤوب ساعدته على إكتساب أعصابه الهادئة و قبضته المتينة التي لا تهتز.

 

حول طاولة خشبية في منزله ، جمع أصدقاءه حوله وبدأ بالكلام :

 

إخواني ، زملاء النضال ، دقت ساعة النصر ، غداً سنقوم بأهم عملية لنا ، سمعتنا وسمعتكم كأبطال على المحك ، المجد يناديكم يا إخوة

 

غدا وفي الساعة الثامنة سننطلق لننفذ مهمتنا الأخيرة ، سنقطف بها ثمرة تعبنا للشهر الماضي ، لن ندخر جهداً في سبيل تحقيق هدفنا ، أوصيكم بالصبر وعدم التسرع ، وسأكون أنا عين الصقر ورائكم لأحمي ظهوركم ، لقاؤنا عند نقطة التجمع ، ومن ثم تعلمون تماماً ما يجب فعله.

 

أومأ الجميع برأسهم وقد كان التوتر بادياً على محياهم، هم يعلمون جيداً دقة العملية وصعوبتها ، يوم الغد هو يوم مختلف عن بقية الأيام.

 

في لحظة الصفر ، تمركز الجميع في مواقعهم ، وقد نفذوا الجزء الخاص باقتحام مناطق العدو ، ولم يبقى لهم سوى أن ينتظروا نجاح عين الصقر في مهمته لكي يجهزوا على من تبقى من الأعداء في داخل القاعدة.

 

كان قناص العدو متمركزا في مكان مناسب ، ولا سبيل لنجاح العملية سوى أن ينجح عين الصقر في إصابته إصابة مباشرة ، ولكنه كان يعلم صعوبة المهمة هذه المرة ، لأن قناص العدو معروف بدقته أيضا

 

هاهو أمامي الآن …

 

أسفل منتصف الهدف ..

 

أسفل منتصف الهدف  …

 

إثبت …

 

ضغط الزناد ، وسمع أزيز الرصاصة في الأجواء ، وبينما كان الأصدقاء في الأسفل ينتظرون جثة القناص لتهوي على الأرض ، فوجئوا به يقف  ويركز بندقيته على حافة الساتر الترابي ، ثم يطلق طلقة واحدة ، أصابت هدفها تماماً.

 

 

في طريق العودة ، سار الأصدقاء مطأطي الرؤوس ، ولم يستطع أحدهم أن يتفوه بأي كلمة …

 

قال أحدهم : هل كان هذا حلماً ؟

 

أجاب الآخر : لا ، لقد أخطأ عين الصقر هدفه هذه المرة ، خطأ واحد فقط كان كفيلاً بإنهاء حياته.

 

ضرب الثالث بقيضته على الحائط الصخري : اللعنة ، لم يخطأ أي هدف من قبل ، كيف له أن يخطأ اليوم ؟ ، ويرحل ويتركنا في أرض المعركة ؟

 

سكتوا جميعاً وقد غلبتهم دموعهم … و تذكروا اللحظات الجميلة التي قضوها مع صديقهم عين الصقر خلال عملياتهم السابقة.

 

قطع الصمت صوت رنين هاتف أحدهم ، نظر إلى جهاز هاتفه ، إتسعت عيناه من الذهول ، نظر إليهم وقال بصوت متهدج : عين الصقر يتصل بي !!!

 

نظروا إلى بعضهم في ذهول ، رد صديقهم على الهاتف :

 

” ألو ، عين الصقر ؟ “

 

أجابه ” نعم ، هو أنا “

 

سأله بلهفة ” أين أنت ،  ومن أين تتكلم ؟ “

 

أجابه ” من جهنم !! ، من وين بدي كون عم بحكي ؟ من البيت طبعاً “

 

سأله ” هيك بتتركنا وبتروح بنص المعركة ؟ “

 

قال ” ما إنحسمت يا شريك بعد ما قتلوني ، تركت المباراة ورجعت عالبيت ، مالي عين شوفكون بعد ما خسرنا الألفين ليرة، بس وحياتك غير عوضلنكوم ياها “

 

” شلون بقى ؟ “

 

” سماع ، بكرة جماعة المالكي مزبطين فريق ، ووعدتون بمحل الشبكة على تحدي كاونتر سترايك سورس  بـ 3 ألاف ليرة ، شو قلتو ؟ “

 

” بس مو بكرة كمان تهز إيدك ، و ما تحسن تصيب حدا “

 

” لأ و لا يهمك ، اليوم رح إتدرب منيح ، ورح إرجع عين الصقر يلي بتعرفوه ، بكرة الساعة تسعة بمحل الشبكة ، شو قلتوا ؟ نتوكل على الله ؟ “

 

أجابه ” حمودة بيقلك إنو إمو ما بتخليه يطلع من البيت بعد الساعة تمانة “

 

زفر بعنف و صاح ” ولك هادا حمودة رح يجنني ، ما بيكفي حاطينو بالفريق رجل كرسي مشان نكمل العدد ، لو مالنا مستعجلين بجيب أي ولد صف سادس مو لعبان كاونتر بحياتو بينزل محلو ، خلص هلأ بحاكيهون وبخلي الموعد عالسبعة”.

 

أغلق سماعة الهاتف ، وإتجه إلى جهاز الحاسب ، ليبدأ تدريباته ، أمامه ليلة طويلة من التدرب على تحريك االفأرة بالسرعة اللازمة ، وضغط الأزرار بأقصى سرعة تسمح له بشراء المعدات و الأسلحة ، ساعة الصفر قد إقتربت ، ولن يسمح لنفسه أن يخسر مرة أخرى.

 

أغلق باب غرفته ليركز في تدريباته ، حيث أن والده كان يستمع إلى نشرة الأخبار ، والتي كانت تعلن عن مقتل أربعة أطفال فلسطينين ، بنيران قناص إسرائيلي.

 

 





بدي شوف بلدي – 3

4 05 2009

بدي شوف بلدي - 3

لقد حل المساء، الصورة الآن أصبحت أجمل.

لا داعي لأن اذكركم بأنني مازلت جالساً على نفس الحاجز، ومازال كأس القهوة البلاستيكي في يدي ممتلئاً، الفرق الآن أنه أصبح بارداً جداً، لم أتخيل أنني قضيت ثلاث ساعات حتى الآن وأنا أنظر إلى دمشق من قمة قاسيون، دون أن أحرك أي عضلة من جسمي، تذكرت أنني لم أستطع يوماً أن أجلس إلى مكتبي الدراسي لأكثر من ساعة واحدة دون أن تبدأ أعصابي بإيصال السيالات الكهربائية إلى دماغي، مطالبة إياه بالقفز من هذا الكرسي البغيض، ولكنها بالتأكيد كانت في حالة سكينة وراحة أثناء تجوالي البصري بين حارات وشوارع دمشق.

بدأ الزحام على سطح الجبل بالإزدياد، لا يهم الآن، لقد أصبحت هذه البقعة من الجبل مسجلة بإسمي للساعات الخمس القادمة، لأنسى صوت الضجيج ، وأقطع جميع اتصالاتي مع العالم الخارجي وأعود إلى المنزل الذي كنت قد بدأت بالحديث عنه.

كغيره من المنازل، له شرفة ليست بالكبيرة، ورغم ذلك قام أصحابه بتقسيمها إلى قسمين، قسم أصبح ملكاً للقادمة الجديدة، والتي باتت بحاجة إلى مكان مستقل لتضع فراشها وخزانتها فيه، فلم يجد الأهل بداً من ضم هذا القسم إلى أصل المنزل عن طريق تغليفه بحواجز زجاجية، وتركوا القسم الآخر من الشرفة ليتذكروا دائما أن منزلهم كان يحوي شرفة تضمهم كل صباح ولتبقى هناك فرصة للأب لأن يقرأ جريدته الصباحية أثناء شربه القهوة، كمحاولة بسيطة للتمرد على ظروف الحياة القاسية ، ولكي يثبت لها أنه مازال يمتلك متنفساً على سماء دمشق وأنها لم تستطع تحطيم كبريائه بتحويل منزله إلى علبة كبريت كاملة.

كان الشتاء هذا العام قاسياً على ساكنة القسم الزجاجي، لم تستطع تلك الحواجز الزجاجية الهشة أن تؤمن لها الحماية الكافيةمن برد الشتاء القارص، لكنها كانت تحب هذا المكان، منذ أن انتقلت للعيش في هذا الفراغ الصغير عندما كانت في الخامسة وحتى بعد إثني عشر عاماً من حياتها هنا، كان هذا هو عالمها الخاص، ورغم أن نمو جسمها المستمر جعل المكان يضيق عليها أكثر فأكثر، إلا أنها كانت تحس بأن المكان يزداد إتساعاً مع مرور الوقت، ذكريات السنين الماضية كلها تقبع في هذا العالم الصغير، وخاصة ذكرى يوم لقائهم الأول.

” ليش هيك عم تطلعي عليه ؟ بس عيب “.

هي أصغر إخوتها الثلاث، كانوا والدهم فخوراً بهم لنجاحهم وتفوقهم من الجانب العلمي، ورغم قسوة الحياة التي لم تحقق له أياً من أحلامه سواءاً كان الصبي الذي سيحمل اسمه ويرفع لقب أبي البنات من على ألسنة أصدقائه، ولم تعطه من المال مايكفي لكي يشتري بيت أحلامه، أو سيارة تكفي بناته شر ركوب المواصلات العامة وما يرافقها من مشاكل، وحتى أن ابنتيه الكبيرتين واللتان تجاوزتا سن الزواج الطبيعي لم يتقدم لهما الكثير من الخاطبين، بسبب وضعهم المادي أولاً، ولأنهما لم تتمتعا بقدر كاف من الجمال يسهل عليهما دخول سوق الزواج في هذا العصر، والذي لم يعد يعترف بالجانب الأخلاقي والعلمي، بقدر اهتمام المتسوقيين فيه بالجانبين الشكلي والمادي، رغم كل ذلك فإنه لم يفقد إيمانه وأمله بأن الأمور ستتحسن.

” والله لأقول لماما، بس استحي فضحتينا”.

عندما رأته في ذلك اليوم، وأثناء أحد الزيارات العائلية، لم تكن قد رأت ملاكاً من قبل، كانت تسمع عنهم في المدرسة، ولكن حيث أنها لم تحظى بفرصة أن يكون لها أخ، وحيث أن مدرستها كانت مدرسة خاصة بالفتيات، فكانت تلك المرة الأولى التي تحس بها بهذا الشعور الغريب، تذكرت ذلك الموقف الذي قد مر عليه أكثر من عشر سنوات وضحكت وهي تتذكر منظرها عندما ثبتت في أرضها وهي تحملق بذلك الفتى وأختها الوسطى والتي قد لاحظت نظراتها تحاول أن تحركها من مكانها وهي تهددها بأنها ستخبر والديها.

لم تستطع النوم يومها، كانت تنتظر الأسبوع ليمر لكي تحظى بفرصة أخرى لكي تلتقي به في زيارة أخرى، ورغم أن الأشهر قد مرت وهم يلعبون مع بقية الأطفال سوياً دون أن يحدث بينهما أي حوار، إلا أنها لم تتخيل يوماً أنه سيأتي إليها بنفسه، وفي ذلك المساء الرائع، ويسألها عن إسمها.

“…”

” شو نسيتي إسمك ؟ “

“رؤى”

” إسمك حلو “

قدر ؟ صدفة ؟ سمها ما شئت … ولكن في ذلك اليوم إكتشفت أن ماهر يحب رؤى ويفكر بها كل يوم، تماماً كما كانت رؤى تحب ماهر وتفكر به.

” هل من الممكن إنو تتخيلي بيوم من الأيام إنو نكون زوجين ؟”

عندما سألها هذا السؤال في العام الماضي، أصابها الدوار، وأحست بإحساس غريب لم تعهده من قبل، وكأن شريط حياتها المستقبلي قد مر أماها تلك اللحظة وتخيلت نفسها معه تحت سقف واحد وحولهما أطفالهما الكثر.

“أكيد”

أما اليوم، فستصبح الأمور رسمية، لن تكون مضطرة بعد اليوم إلى أن تخفي الموضوع عن أهلها، رغم أن أختها الوسطى قمر كانت تعلم بقصة ماهر ولقائاته المتكررة مع إختها، إلا أنها كانت هي من تؤمن الغطاء المستمر أثناء تغيب رؤى عن المنزل، حيث أنها كانت قد قابلت ماهر العام الماضي وتحدثت معه وعندما تأكدت من صدقه، طلبت منه التقدم بشكل رسمي لخطبة رؤى، وكان ماهر بانتظار تلك الجملة ليثبت صدق نواياه تجاه رؤى ، ووعدها بالتقدم بشكل رسمي بعد نهاية امتحانات الشهادة الثانوية، وحصوله على عمل مناسب لكي يستطيع إقناع والد رؤى بجدية عرضه.

رأت قمر في ماهر الشخص المناسب لإختها، رغم أن قطار الزواج قد تأخر بالوصول إلى محطتها، إلا أن سعادتها كانت لاتوصف عندما رأت في ماهر مثال الشاب المكافح ذو الأخلاق الحميدة والقادر على إسعاد أختها الصغرى، وتمنت أن يأتي شخص بأخلاق وشخصية ماهر لكي تكمل هي أيضاً معه مسيرة حياتها.

لم يكن هناك في هذا العالم شخص أقرب لرؤى من أختها قمر، كانت أقرب لها من والدتها، تولت قمر مهمة حفظ أسرار أختها رؤى عن والدها المحافظ، وتولت وضع الأمور في نصابها مع ماهر، ومن ثم تولت مهمة التحدث مع والديها وإخبارهم عن ماهر ورغبته في التقدم لخطبة رؤى، كان من المستحيل أن تنجح رؤى بذلك لولا مساعدة أختها قمر، والتي كانت تحظى بثقة مطلفة من والديها بسبب رجاحة عقلها وشخصيتها المحببة.

قبل وصول ماهر، كانت قمر تحتضن أختها رؤى ودموع الفرح في عينهما.

.”الله يسعدك يارب ويتمم الأمور على خير”

أجابت رؤى ” الله يبعتلك نصيب أحسن من نصيبي ويخليلي ياكي يا أحسن أخت بالعالم”

دق جرس الباب …

لم تستغرق الأمور أكثر من ربع ساعة… كان الوالد قد حسم أمره مسبقاً.

في زاويتها الصغيرة، كانت رؤى تنظر إلى الشارع الخالي من المارة … تداخلت الجمل التي كانت قد سمعتها أثناء وقوفها خلف باب الصالة عندما كان ماهر ووالداه يجلسون في الداخل مع والديها.

“إسمي ماهر ، طالب سنة أولى صيدلة، وعم اتدرب بصيدلية حالياً بعد الدوام بالجامعة”.

” عندي بيت صغير عم إكسيه شوي شوي”

” بيشرفني إطلب إيد بنتك “

“لساتك صغير،والبنت صغيرة وعم تدرس، ودراستها أهم”

“أكيد دراستها أولوية إلي أنا كمان، ومارح خليها تقصر بالدراسة أبداً”.

” عندها إختين كبار لسا ما تزوجوا، لما الله بيفتح نصيبهون بنحكي بالصغيرة”.

” الله معكون، شرفتوا”.

أغمضت رؤى عينيها، مازالت قمر خارج الغرفة تناديها وترجوها أن تفتح باب الغرفة، الغرفة التي كانت كبيرة بأحلامها بدت الآن بحجمها الحقيقي، أحست بأن الكون قد أطبق عليها بكل إتساعه، بدأت صورة ماهر بالتلاشي من مخيلتها، إستسلمت لنداء جسمها المتكرر وطلبه للنوم، ولم يعد بمتناولها سوى أن تحلم بغدٍ أفضل.


الزحام أصبح شديداً الآن، سأكتفي اليوم بما سمعته من قصصك يا دمشق وسأترككِ لتنامي بهدوء، على أن أعود إليك قريباً





يومَ إستيقظ ضميره

28 04 2009

dark_rose3

“إتصل بالسيد ناقل الخطابات وأسأله عن الخطاب، لقد تأخرنا”

توجه بالجملة السابقة إلى سائقه وأعاد النظر إلى المرآة.

أعرفكم بالسيد ” كاذب الكذبة” ، على مدى ثلاثة عقود كان السيد كاذب هو الشخص الوحيد الذي نجح في الحصول على ثقة مجلس الحكم الملكي لمملكة ” تعب ستان” لكي يقوم بإلقاء الخطابات الحساسة في المحافل الوطنية الكبيرة.

لم يكن الوصول إلى منصبه بالأمر السهل، فطوال عمره كان كاذب ينقل الأخبار السيئة بأسلوبه الخاص، بحيث يشعر متلقي الخبر المصيبة بوقع أخف للخبر، حيث أن كاذب قد تفنن في ابتداع الخطب الحماسية التي تهيئ للخبر المصيبة الذي سيتلقاه المستمع، فعندما كان في سن العاشرة فقط، شاهد جماعة أبي الغضب وقد كان من كبار المتنفذين في قريته قرية ” الجحيم “، تقوم بإغتيال مختار الضيعة الذي كان يقف دائما كالسد المنيع في وجه مشاريع أبي الغضب التوسعية والتي كانت ستضر بأهل القرية، فركض كاذب إلى القرية وأعلمهم بانتهاء حقبة الظلم المتمثلة في حكم المختار، وكيف سيقوم أبو الغضب ببناء القصور والعمارات في القرية ليحولها إلى عاصمة جديدة للمملكة، فهلل أهل القرية فرحين بخطاب كاذب الثوري وساروا خلفه في مسيرة تأييد إلى قصر أبي الغضب ليعينوه مختاراً جديداً.

يومها، أصبح كاذب قريباً جداً من أبي الغضب، والذي كان يرسله دائماً بخطابات جديدة إلى القرية، ينبأ فيها بتخفيض حصة كل مواطن من محصول قمحه إلى نسبة عشرية ، تقل في كل مرة يلقي فيها كاذب هذا الخطاب، تذكر يومها كيف أن أهالي القرية هللوا فرحاً عندما أعلمهم كاذب بتنقيص حصة كل فرد إلى عشر الحصة السابقة وذلك في مقابل أن يقوم أبو الغضب بببناء إستاد لكرة القدم داخل القرية، وقد أخبرهم كاذب يومها أن منتخب الأندلس بطل العالم ، سيلعب مباراة التدشين مع فريق القرية، فقامت الجماهير بحمل كاذب على أكتافها، وصرخت بأعلى صوتها والفرح والسعادة يملأ جنبات القرية ” كاذب ، كاذب، يعيش كاذب ، يعيش أبو الغضب”

إشتاق كاذب إلى قريته كثيراً، حيث أنه لم يزر القرية منذ أن طلبه مجلس الحكم الملكي منذ ثلاثين عاماً بعد خطبة الإستاد الشهيرة، ليكون المتحدث الرسمي بإسم المجلس، ألقى كاذب خلال تلك الأعوام المئات من الخطب الحساسة والتي تبعها فرض عدد من الرسوم والضرائب الضخمة، والتي كان الشعب يتلقاها بكل رحابة صدر بسبب وعود كاذب الخلبية، ولكن بالنسبة لكاذب فاليوم هو يوم مختلف عن بقية الأيام.

كان كاذب ينتظر الخطاب الذي سيلقيه اليوم ، والذي سيرسله السيد ” ناقل الخطابات ” إليه في سيارة خاصة، حيث أنه قد أعلمه بشكل مسبق بأن خطاب اليوم سيكون من العيار الثقيل وسيتسبب في دمار أهل القرية التي سيلقي فيها هذا الخطاب، ويجب عليه أن يتدرب جيداً على إيصاله بالشكل المناسب والذي اعتاده المجلس الملكي منه، كان كاذب يحب أن يلقي تلك الخطابات الثقيلة، لأن إبداعه يزداد كلما زاد حجم المصيبة التي سيزفها للشعب المسحوق، وتخيل خطاباً آخر كخطاب الإستاد، يزيد في شعبيته ويزيد من مكافآته التي سيتلقاها من المجلس بعد الخطاب.

رن هاتف كاذب النقال، كان المتحدث هو السائق الذي أخبره بوصول الخطاب، وأن عليهم التحرك فوراً لأن القرية بعيدة ، لم يهتم كاذب كثيرا على اعتبار أن الفرصة لم تسنح له للتدرب على الخطاب، أو معرفة إسم ومكان القرية التي سيذهب إليها ليدرس جغرافيتها بحيث يعرف إذا كان من الممكن بناء إستاد هناك !! ، فهو لم يشأ أن يحدث معه ذلك الموقف الذي باغته مرة من المرات حينما وعد سكان قرية الجبل الوعر والتي تقع على سفح الجبال المنحدرة ببناء إستاد لكرة القدم، رغم أن القرية كلها تقع على أرض وعرة مليئة بالمنحدرات والكتل الصخرية، ولاوجود لأي سطح مستوٍ فيها، ورغم ذلك هللت الجماهير له وحملته على الأكتاف وهي تنادي ” كاذب ، كاذب “.

في الطريق، أدرك كاذب بأنه مر من هنا سابقاً، بالتأكيد قد مر من هنا، لعله ألقى خطاباً في قرية هنا أو هناك ، ولكن شكوكه كلها زالت عندما قرأ اللوحة المكتوبة على مدخل القرية :

” الجحيم ترحب بكم”.

الآن أدرك لماذا كان هذا الطريق مألوفاً لديه، لقد ساقته الأقدار إلى أن يعود إلى قريته الأم، ويالسخرية القدر، فالخطاب الذي في يده سيكون سبباً في دمار أهله وأصحابه ، يالها من هدية يعود بها إليهم بعد غيابٍ إستمر ثلاثين عاماً.

كانت القرية بائسة كغيرها من قرى المملكة، شوارع قاحلة، أراضٍ زراعبة بائدة، وقد كان منظر الأهالي مزرياً بملابسهم المقطعة ومساكنهم المصنوعة من اللبن، من الواضح أن الضرائب العالية قد جعلت قريته في وضع مأساوي، وأصبح شبح الفقر والجوع يجول بحرية في أرجاء القرية، يدخل جميع البيوت دون إستثناء، ورغم ذلك فقد إستقبله أهل قريته بترحاب، وحملوه على أكتافهم وقادوه إلى المنصة الرئيسية والتي كانوا قد اضطروا إلى الإستغناء عن أبواب منازلهم الخشبية ليقوموا بصنعها.

بعد أن إتخذ كاذب مكانه على المنصة ، ووقف عشرات الآلاف من أهل قريته ينظرون إليه وينتظرون الأخبار السعيدة التي قد وعدهم بها، لمح كاذب لوحةً كتب عليها ” أهل الجحيم يرحبون بإبنهم البار كاذب، ويرجون من الله أن يوفقه لما فيه خير القرية وأهلها”.

حاول كاذب إخفاء دمعته التي بدأت بالتسلل من عينه، فتح الخطاب، قرأه في سره، ثم أغلق الخطاب ونظر إلى الجماهير وقال :

” يا أهالي قريتي، عدت إليكم أحمل الأمل والسعادة، لقد قرر المجلس رفع كافة أنواع الضرائب عنكم، وسنقوم بتطوير الأراضي الزراعية كلها، سنبدأ بشق الطرقات لتصل إلى القرية، وستكون أموالكم كلها ملكاً لكم، سيعم الرخاء على الجميع، وستتحسن أموركم، لقد ظلمناكم يا أهالي قرية الجحيم، ولكن التغيير سيبدأ اليوم، ومن اليوم أصبح إسم القرية هو قرية النعيم”.

كانت الفرحة لا تصدق، وقد بدأ الأهالي بالرقص والغناء بفرح، وقد أحسوا بصدق كلام إبن بلدهم، وكيف أن هذا الخطاب مختلف بالفعل عن الخطابات التي كانوا يسمعونها في التلفاز مسبقاً، ومن شدة فرحهم نسوا كل شيء عن كاذب، الذي كان قد ركب سيارته بهدوء وغادر القرية.

” هل أذهب إلى المنزل يا سيدي ؟” ، قال السائق الخاص لكاذب.

“بل إذهب إلى القبو مباشرة، لن أنتظرهم حتى يستدعوني إلى هناك”

كان القبو هو الرمز الخاص بالمكان الذي يجتمع فيه أعضاء المجلس الملكي، وهو المكان الذي انطلفت منه كافة مشاريع الضرائب التي سحقت أفراد الشعب، دخل كاذب إلى صالة المجلس والتي كانت مظلمة، ووقف خلف منصة الإستجواب، وعندها تم تسليط الضوء في وجهه بحيث لا يرى أعضاء مجلس الحكم الملكي.

” لماذا فعلت ذلك يا سيد كاذب ؟ “

قال كاذب ” أرجو أن تسمعني يا سيدي، عندما فتحت الخطاب ووجدت ما فيه، ونظرت بعدها إلى أفراد قريتي بلباسهم الممزق وحالتهم المزرية، لم أستطع أن أتلو هذا الخطاب عليهم، كيف تريدني أن أقول لهم أن يشدوا الأحزمة، وهم لا يملكون ثمن حزامٍ حتى ؟، كيف أخبرهم بأن يتركوا منازلهم الخاوية ليسكنوا في الخيام البالية التي سنزودهم بها  لكي ندمر تلك المنازل ونمرر طريقاً خاصاً إلى قصر أحد أعضاء مجلسكم ؟ ، كيف سأخبرهم بأننا سنسلب أراضيهم الزراعية لصالحكم ، ثم سنجبرهم على العمل فيها دون مقابل ؟ أنت لم ترهم ياسيدي، لقد كانت نظرة البؤس والشحوب على وجوهم جميعاً، وقد كان هذا الخطاب كفيلاً بقتل ما تبقى لديهم من أمل، وعندها سيكون موتهم أفضل من حياتهم، لقد أعطيتهم جرعة من الأمل، عندما قمت بتحريف الخطاب.

” ومن قال لك يا غبي أننا نهتم لأمرهم ؟ ، فليموتوا أو يعيشوا، مالفرق ؟ من أعطاك الصلاحية لكي تعصي أوامرنا وتتصرف من عندك ؟”

قال كاذب ” أنتم وحوش يا سيدي، وأنا نادم على كل لحظة قضيتها في خدمتكم”.

مرت عشر سنوات كاملة على ذلك اليوم، ومازال كاذب قابعاً في سجنه ، إرتأى المجلس بأن زجه في سجن إنفرادي مدى الحياة سيكون عذابا أكبر بمئات المرات من إعدامه بتهمة عصيان أمر المجلس، خلال السنة التالية ليوم خطبته الأخيرة، أشيع في المملكة عن نبأ وفاة المتحدث الرسمي للمجلس السيد ” كاذب الكذبة ” بحادث أليم أثناء عودته من قرية الجحيم، وتم عمل نصب تذكاري له في إحدى الساحات، وتم دفن جثته المفترضة في أهم مدافن أشراف المملكة.

كانت الأيام تمر على كاذب وهو قابع في عتمة سجنه، وبسبب انعدام الضوء لعشر سنوات قضاها في تلك العتمة فقد فقد كاذب بصره ونحل جسمه حيث أن نصيبه اليومي من الطعام كان لا يزيد عن كسرة من الخبز وجرعة من الماء، عشر سنين مضت دون أي تغيير، يفتح الحارس الطاقة الصغيرة في أسفل الباب ويرمي بالخبز وعلبة الماء إلى حيث يقبع كاذب، ثم يعود في اليوم التالي ليكرر نفس العملية.

مد كاذب يده محاولا تحسس مكان الخبز، عندما اصطدمت يده بذلك الشيء، وقد كانت السنين العشر كافية لأن ينسى كاذب هذا الإحساس الذي سيطر على جسده عندما لمس ذلك الشيء، كان طرياً جداً وناعم الملمس، ولحسن حظه أنه لم يفقد حاسة الشم مثلما حدث مع بصره، فقام بشم ذلك الشيء وقد تأكد بعدها من أنها كانت بالفعل وردة ناعمة ذات رائحةِ زكية.

حتى بعد مضي عشر سنين، فقد تذكر رائحة الورد الجوري، ولو أنه مازال يملك بصره لكان قد نظر إلى لونها الأحمر القاني، تخيلها في مخيلته، واستجمع بعدها جزءا من قوته ونادى ” من هناك ؟”.

” سيد كاذب، أنا أحد أهالي قريتك، قرية الجحيم، لقد تم تعييني هنا منذ أسبوع، ولكني كنت أظن كما يظن كل الناس بأنك قد مت، ولم أصدق أنك مازلت حياً عندما أخبرني بقصتك الحارس السابق، الحمد لله أنك حي، هذه الوردة مني ومن أهالي قرية الجحيم، لقد زرع خطابك في نفسنا أملاً كنا بحاجة إليه، كان والدي على وشك الإنتحار قبل ذلك اليوم، ولكن خطابك قد أعاد الأمل إليه وإلينا جميعاً، لقد تسلحنا جميعاً بالصبر بعد ذلك اليوم، وقد أشعل خطابك فينا الحماس والعزيمة، لقد حزن أهل القرية جميعاً عندما علموا بوفاتك، ولكنهم تعاهدوا على العمل والصبر والتمسك ببريق الأمل الذي أعطيتنا إياه إكراماً لك، سأحرص منذ اليوم يا سيدي على إحضار الطعام الكثير لك، وسأحاول أن أخرجك من السجن كل يوم خلسة لكي ترى العالم الخارجي وتحرك جسمك، ستتغير الأمور يا سيدي، أعدك بذلك”.

أسند كاذب رأسه إلى حائط السجن، وهمس في قرارة نفسه ” لقد قمت إذاً بالعمل الصحيح”.

لم يرد كاذب لمدة يومين كاملين على نداء صديقه الحارس الجديد، وقد بدأ الحارس يحس بالقلق، لذا فقد استجمع شجاعته وقام بفتح الباب الذي بقي مغلقاً لعشر سنوات، وانهار باكياً عندما رأى جثة السيد كاذب ممدة على الأرض وهو يحتضن بكلتا يديه وردة ذابلة، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة لم يستطع أحد تفسيرها.





المقامة الشامية … وباللهجة العامية

25 04 2009

تذكرت اليوم وبينما أغوص في ذكريات الماضي، كتاب اللغة العربية لأحد صفوف الدراسة ولعله صف التاسع أو العاشر، تذكرت أننا درسنا فن السجع ، وقد كانت المقالة المرافقة هي المقامة البغدادية لبديع الزمان الهمذاني، كم أحببت وقتها هذه المقامة، لذلك بداية سأضعها هنا كاملة كي يستمتع بها من لم يقرأها من قبل :

يقول بديع الزمان : حدثنا عيسى بن هشام فقال :

اشتهيت الأزاد وأنا ببغداد ، وليس معي عقد، على نقد، فخرجت أنتهز محالـّه حتى أحلـّني الكرخ، فإذا
أنا بسواديّ يسوق بالجهد حماره، ويطرّف بالعقد إزاره، فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله أبازيد، من
أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت؟ وهلمّ إلى البيت، فقال السّوادي: لست بأبي زيد، ولكنّي أبو عبيد،
فقلت: نعم، لعن الله الشّيطان، وأبعد النّسيان، أنسانيك طول العهد، واتصال البعد، فكيف حال أبيك؟ أشابّ
كعهدي، أم شاب بعدي؟ فقال: قد نبت الربيع على دمنته، وأرجو أن يصيّره الله إلى جنته، فقلت: إنا لله
وإنا إليه راجعون، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، ومددت يد البدار، إلى الصّدار، أريد تمزيقه،
فقبض السّواديّ على خصري بجمعه، وقال: نشدتك الله لا مزّقته، فقلت: هلمّ إلى البيت نصبّ غداء، أو
إلى السّوق نشتر شواء، والسّوق أقرب، وطعامه أطيب، فاستفزّته حمة القرم، وعطفته عاطفة الّلقم،
وطمع، ولم يعلم أنّه وقع، ثمّ أتينا شوّاء يتقاطر شولؤه عرقاً، وتتسايل جوذاباته مرقاً، فقلت: افرز لأبي
زيد من هذا الشّواء، ثمّ زن من تلك الحلواء، واختر لي من تلك الأطباق، وانضد عليها أوراق الرّقاق،
ورشّ عليه شيئاً من ماء السّماق، ليأكله أبو زيد هنيّـاً، فأنحنى الشّوّاء بساطوره، على زبدة تنّوره، فجعلها
كالكحل سحقا، وكالطّحن دقـّا، ثم جلس وجلست، ويئس ولا يئست، حتى استوفينا، وقلت لصاحب
الحلوى: زن لأبي زيد من الّلوزينج رطلين فهو أجرى في الحلوق، وأمضى في العروق، وليكن ليلـّى
العمر، يوميّ النـّشر، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤيّ الدّهن، كوكبيّ الّلون، يذوب كالصّمغ، قبل
المضغ، ليأكله أبوزيد هنيّا، قال: فوزنه ثمّ قعد وقعدت، وجرّد وجرّدت، حتى استوفيناه، ثم قلت: يا أبا
زيد ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصّارّة، ويفنأ هذه الّلقم الحارّة، اجلس يا أبا زيد حتى
نأتيك بسقـّـاء، يأتيك بشربة ماء، ثم خرجت وجلست بحيث أراه ولا يراني أنظر ما يصنع، فلما أبطأت
عليه قام السّوادي إلى حماره، فاعتلق الشّوّاء بإزاره، وقال: أين ثمن ما أكلت؟ فقال أبوزيد: أكلته ضيفاً،
فلكمه لكمة، وثنى عليه بلطمة، ثم قال الشّوّاء: هاك، ومتى دعوناك؟ زن يا أخا الـ**** عشرين، فجعل
السّـواديّ يبكي ويحلّ عقده بأسنانه، ويقول: كم قلت لذاك القريد، أنا أبو عبيد، وهو يقول أنت أبو زيد،
فأنشدت:

أعمل لرزقك كلّ آلـــه=لاتقعدنّ بكلّ حالة
وانـهض بكلّ عـظـيـمة=فالمرء يعجز لا محالة

جميل ما كتبت يا بديع الزمان، طيب لماذا لا أقوم أنا أيضاً بكتابة السجع، شو شغلة صعبة ؟ فانظروا ماذا أتيت به ، وباللهجة العامية الفصحى المختلطة، وهي علامة مسجلة الحقوق لي شخصياً.

حدثنا إيكار ابن ديدال وهو من جند مينوس العظيم وقال :

ذهب الشيطان الى العاصمة ، ليبحث عن روح ليسرقها.

فقد سمع أن هذا المكان مليء بالأرواح الفاسدة منذ مولدها.

امتطى دراجته النارية الضخمة.

ومضى بقلبٍ لا يعرف الرحمة.

وبينما هو يمتطي دراجته، شاهد شخصا وحيدا.

كان ينتظر الميكروباص، ولم يبدُ سعيداً.

اقترب منه الشيطان، وقال له بدهاء.

” أرى أنك غير مسرور، و لاتعيش في هناء”

نظر اليه المواطن نظرة المكسور

وقال له” أين سأجد السعادة وأين أجد الحبور؟”

” راتبي الذي قبضته من أسبوع قد تبخر”

“و سوف أقضي بقية الشهر، أشرب الشاي بلا سكر”

ابتسم الشيطان وقال ” سأترك لك الخيار”

“لدي عرض مغر ، سيخلصك من الدمار”

” أنا منبع الألم، وصانع الأحزان”

“فهل تظن أنك حياتك أتعس مني، أخبرني يا فهمان ؟”

” ما دمت بهذه الثقة فاليك هذا التحدي”

” أخبرني عن حياتك ويومك كيف بيعدي”

” وبعدها سنقرر من منا سينتصر”

” فإما أن تأخذ مصاغي الذهبي أو روحك سأعتصر”

قال المواطن :

” اسمع يا سيدي فهذي قصتي، منذ ولادتي وحتى لحظتي “
أنا ربيب الشوارع والحواري، وطوال عمري لم أعرف أبي من جاري
قضيت صغري على اشارات المرور، أبيع العلكة والدخان والبخور
لم أدرس في المدارس مثل رفقاتي، وقد كنت أعمل أجيرا عند أبو عبدو البغجاتي
كنت أعمل طوال الليل والنهار، يعني والعفو منك ولا أجدع حمار
وآخر اليوم أحصل على ليرات قليلة، يأخذها أبي مني بعد أن أحصل على لكمات وفيرة
قضيت نصف عمري في التسول، ويا ليتني كنت أجيد التحول
كنت حولت نفسي الى تراب، وخلصت نفسي من هذا العذاب
بيتي من التنك، وحياتي كلها ضنك
سرقت من كبل الكهرباء خطا صغيرا ، لأنير البيت الذي أملكه ولو قليلا
ولكن النتيجة كانت واحدة، فالتقنين يبدأ من الساعة الواحدة

قال الشيطان ” ما هذه الترهات البالية ؟ “

” أخبرني عن زوجتك الغالية”

قال المواطن :

أضحكتني يا هذا ولم أكن أرغب، هل تمزح معي أو أنك فعلا أجدب ؟
من وين بدي جيب مصاري حتى اتزوج ؟، ولا مفكر الدنيا سايبة وعلى المصاري عم بتزلج ؟
يا حبيبي هي اسمها جوازة بدها هز كتاف، وأهل العروس رح ينخلوك نخل ويبخو عليك بف باف
لحتى تقول بطلت بدي، وعزابي عايش لوحدي.

قال الشيطان ” يكفي يا هذا أوجعت رأسي”

” عن عملك حدثني ليزول بأسي”

قال المواطن :

أعمل بالفاعل وتكسير الحجر، ولو الحجر بينطق لعطاك الخبر
نازل تكسير بالنهار وبالليل، وبرجع بآخر اليوم مهدود الحيل
بزت حالي على هالتخت، وبتخيل حالي بأكبر يخت
ويا ريت الراتب يلي عم باخدو بيكفي، عايش عالدين وحالتي بتبكي

جثا الشيطان على ركبتيه و تنهد

“يكفي هذا ، تقطع قلبي وتمدد”

“خذ هذا المصاغ الذهبي النادر”

“بعه ، فقد شفقت عليك ولم أعد قادر”

وفي هذه اللحظة وصل شرطي المرور

وأمسك الشيطان من كتفه وقال في غرور

” عطيني وراقك يا أفندي و بلا كتر كلام”

“دراجتك مخالفة، وصافف عالطريق العام”

“ما عليها لوحات و لا اضاءة”

“وشكلك كنت سكران ، عطيني البطائة”

صاح الشيطان في غضب

ولم يحتمل أن يعامل بقلة أدب

“أنا الشيطان أيها البشري”

“أنا ملك الجان وعمري سرمدي”

قال له الشرطي و قد انفجر وهو يضحك

“شو أمرتو أخي ؟ مين قلتلي حضرتك ؟”

“ازا كنت انت الشيطان بزاتو”

” فأنا رئيس الاتحاد الافريقي عيسى حياتو”

“أمشي معي انتيه واحد سكران”

“ليك خدودك كيف حمرا، أكيد مفلل الخزان”

” وشاريلي موتور مشان تطبق البنات”

“وقعت بايدي يا واطي، أنا العريف عزات”

“يخرب بيتك شو هاد ؟ شو هالمصاغ الدهب ؟”

” معناتا انتيه يلي سرقت الصايغ تبع ساحة حلب”

” يا ويلك يا سواد ليلك رح تخ بالحبوس”

“و رح ننزل فيك ضرب ورجلينا رح تبوس”

لعن الشيطان حظه و فكر وفكر

“شو جابني على هالبلد، يلعن حظي المعتر”

“يا ساكن بالعاصمة روح الله يعينك”

“تعب كلها الحياة، مكتوب على جبينك”

و هنا صاح الديك و طلع الصباح

وسكت إيكار عن الكلام المباح








Follow

Get every new post delivered to your Inbox.